الحرب الروسية – الأوكرانية ترسم واقعاً جيوسياسياً جديداً في عامها الرابع

لبنان الكبير

نشرت صحيفة الشرق الأوسط تقريرا في ذكرى مرور 4 سنوات على بدء الحرب الروسية الأوكرانية، للكاتب رائد جابر، وفي ما يلي النص الحرفي للتقرير:

مع حلول الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا، تبدو الحصيلة كارثية بكل المعايير، ليس فقط على الطرفين المباشرين في هذه المواجهة، بل وعلى المحيط الإقليمي حولهما، والعالم كله الذي تعرَّض لأسوأ تداعيات لصراع عسكري مفتوح منذ الحرب العالمية الثانية.

عندما اخترقت الدبابات الروسية فجر 24 شباط 2022 الحدود، وسارت في أرتال مدعومة بغطاء ناري جوي كثيف نحو كييف ومدن رئيسية أخرى، بدا أن الكرملين اتخذ قراره الحاسم بناءً على معطيات أكدت أن “العملية العسكرية الخاصة” وفقاً للتسمية الرسمية للحرب، ستكون مجرد نزهة قصيرة، ولن تلبث الأعلام الروسية أن ترتفع فوق مبنى “الرادا” (البرلمان) والقصر الرئاسي في كييف. وتوقعت تقارير قُدّمت في حينها إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يستقبل الأوكرانيون الجيش الروسي بالزهور، وأن تتم بسرعة إطاحة الحكومة “النازية” لفولوديمير زيلينسكي ووضع أوروبا والعالم أمام واقع جديد.

لكن الهجوم المباغت الواسع والمتعدد الجبهات، لم يلبث أن انقلب ضد طموحات الكرملين المتسرعة. وبدا أن أوكرانيا التقطت أنفاسها سريعاً، وأطلقت مواجهة قوية حولت “العملية الخاطفة” إلى أسوأ وأطول حرب تشهدها أوروبا منذ عقود.

ومع دخول الصراع عامه الخامس وسط استعصاء دبلوماسي، رغم جولات المفاوضات المكوكية، ورغم أن الرئيس دونالد ترامب رمى بكل ثقله لدفع عملية سلام شائكة ومعقدة ومرهونة بشروط ومتطلبات صعبة للطرفين، تبدو الحصيلة الثقيلة للمواجهة قد رسمت خرائط جديدة، وبدلت أولويات أطراف كثيرة، على رأسها الخاسر الأوكراني الأكبر، وأوروبا المنقسمة بشدة والخائفة بقوة من فقدان مظلة الحماية الأميركية.

حصيلة قاسية

خلَّفت الحرب في أوكرانيا نحو مليوني ضحية من العسكريين الروس والأوكرانيين بين قتلى وجرحى ومفقودين، حسب دراسة حديثة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأميركي. ورغم أن روسيا تتكتم على خسائرها، لكن المركز رصد أن عدد القتلى الروس بلغ 325 ألفاً منذ اندلاع الحرب، وبلغ إجمالي عدد ضحاياها مليوناً و200 ألف، بين قتيل وجريح ومفقود، إلا أن موسكو اعتبرت الأرقام غير دقيقة ومبالغاً جداً فيها. وأشار المركز إلى أن “أي قوة عظمى لم تتكبد هذا العدد من القتلى والجرحى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية”، لافتاً إلى أن “القوات الروسية تتقدم ببطء ملحوظ في الميدان”.

وتكبّدت كييف أيضاً خسائر فادحة، فقد أسفر النزاع عن تسجيل ما بين 500 ألف و600 ألف ضحية، من بينهم ما بين 100 ألف و140 ألف قتيل، بين شباط 2022 وكانون الأول 2025، حسب مركز الأبحاث.

لكن الخسائر الأوكرانية لا تقتصر على الجانب البشري، علماً بأن كييف تواجه أزمة حادة في هذا المجال؛ بسبب الفارق الكبير في التعداد السكاني وقدرات التجنيد والزج بمقاتلين جدد في ساحات المعركة، والمقارنة هنا واضحة بنسبة 3 مقابل واحد.

أبرز النتائج المباشرة الأخرى، سيطرة روسيا على نحو 20 في المائة من مساحة أوكرانيا، وتشريد ملايين الأوكرانيين. كما تسببت الحرب في أزمات غذائية عالمية، وعقوبات غربية غير مسبوقة على روسيا، ودمار واسع في البنية التحتية، وتحول جيوسياسي جذري في أوروبا.

وبالنسبة للوضع الميداني، باتت روسيا تسيطر فعلياً على مناطق واسعة في شرق وجنوب أوكرانيا، وتسببت الحرب في تشريد ما بين 15 و30 مليون أوكراني تحولوا لاجئين داخل البلاد وخارجها.

وعلى صعيد التداعيات العالمية، تسببت الحرب في أزمة طاقة وغذاء عالمية وارتفاع أسعار الوقود، وفتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات في جرائم حرب، وصدرت مذكرات اعتقال بحق مسؤولين روس، بمن فيهم الرئيس فلاديمير بوتين.

أما الوضع الجيوسياسي، فقد تبدل جذرياً مع توسع حلف “ناتو” عبر انضمام فنلندا والسويد، وزيادة الاعتماد الأوكراني على المساعدات العسكرية الغربية، واتجاه روسيا نحو تعزيز التحالفات مع دول مثل الصين وكوريا الشمالية.

أوروبا خاسرة

لا شكّ أن الخاسر الأول في هذه المواجهة العسكرية هو أوكرانيا، التي بات على سلطتها أن تقدم تنازلات سيادية لوقف الحرب. والخاسر الثاني هو أوروبا؛ لأنها تحولت ساحة اختبار لموازين القوى، وبات على دولها أن تختار بين حلف تقليدي يحتاج إلى دعم مالي للقيام بمهامه، وبين خصم تقليدي يحتاج إلى جائزة ترضية كي يوقف هجومه الشامل.

أوروبا في هذا السياق أصبحت في موقع صعب، فهي في حاجة إلى واشنطن لتأمين الحماية، وهي أيضاً لا تستطيع أن تتحمل بمفردها تكلفة الحرب. وبسبب موقعها المعقد، باتت الدول الأوروبية مضطرة إلى إعادة هيكلة شبكة علاقاتها وترتيب سُلم أولويات يعطي أفضلية لمظلة الدفاع من دون استفزاز للجار الروسي.

الكرملين يفاوض من موقع قوة

في المقابل، يبدو الكرملين في موقع أكثر راحة، رغم طول أمد الحرب واستنزاف قدرات روسيا. وعلى طاولة المفاوضات يتمسك بشروطه بقوة؛ إذ يدرك أنه لا يستطيع أن يخرج خاسراً بسبب التداعيات التي سترتد على هيبة بوتين وقيادته ووعوده بأن تبقى الأراضي الأوكرانية التي ضمها بشكل أحادي “روسية إلى الأبد”.

كما يبدو الكرملين مطمئناً إلى فشل سياسات “العزلة” بسبب التحولات التي طرأت على الأسواق الدولية، واضمحلال الاختلاف الآيديولوجي الذي كان يعطي الغرب ذريعة لفرض شروطه وخياراته.

ويرى محللون أن أحد أكبر أخطاء الغرب هو اعتقاده بعزلة روسيا التامة. فرغم فرض 19 حزمة عقوبات، لم ينهَر الاقتصاد الروسي، بل حقق نمواً ملحوظاً، وانتقل إلى حالة تأهب قصوى، مع توسيع حجم منظومة الصناعات العسكرية وزيادة إنتاج الأسلحة والتقنيات، بما في ذلك المسيَّرات متعددة الاستخدام.

في كل الأحوال، تشير تقديرات إلى أن الكرملين، على أبواب العام الخامس للحرب، يخوض مفاوضات وهو أكثر استعداداً لمواصلة حرب الاستنزاف مقارنة بوضع أوكرانيا وأوروبا.

خرائط جديدة

العنصر الأبرز في أوراق الضغط الروسية تمثل في التغيير الكبير الذي طرأ على الواقع الميداني منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الجديدة، وإطلاقه الشعار حول إنهاء الحرب في 24 ساعة.

يكفي القول إن موسكو نجحت في تكريس واقع ميداني جديد يوفر مجالات أوسع للمناورة وهوامش عريضة للتفاوض بواقع مربح للكرملين. ولذلك قوبل العرض الأميركي في القمة التي جمعت بوتين وترامب في ألاسكا حول “تبادل الأراضي” بموافقة روسية فورية، رغم غموض المفهوم وتعقيداته.

وخلال الأشهر الماضية، تقدمت القوات الروسية ببطء وثبات، معتمدة استراتيجية إنهاك تدريجي لأوكرانيا وتوسيع مساحة السيطرة الميدانية تدريجياً، من دون انعكاسات داخلية كبرى على الاقتصاد والمجتمع في روسيا.

حالياً، يسيطر الجيش الروسي على النسبة الأكبر من لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، وهي المناطق الأربع التي ضمتها موسكو سابقاً، ولا تنوي التخلي عنها ضمن أي اتفاق سلام مقبل.

في المقابل، برزت صعوبات إضافية أمام أوكرانيا في مسألة التفاوض على الأراضي، بينما تبقى ملفات حياد أوكرانيا وتقويض جيشها ومنع دخول قوات أجنبية من أبرز عناصر التفاوض المحتملة في المرحلة المقبلة.

شارك المقال