في كل سنة، تخطف عاصمة الجنوب وبوابته، صيدا، أضواء ورهجة رمضان، لتكون القرية أو المدينة الرمضانية الأولى في لبنان، وربما على ساحل البحر الأبيض المتوسط ككل، حيث تمتزج روح الشهر الفضيل بعبق التاريخ العريق، في مشهد يعيد إلى الأذهان صورة المدن التي تحفظ تقاليدها وتجدّدها في آن واحد.
فمنذ ليل الخميس الماضي، شهد خان الإفرانج إحدى ليالي رمضان، على أن تستمر فعاليات هذا الأسبوع حتى يوم الأحد، ضمن برنامج حافل بالأنشطة المتنوعة التي تستقطب العائلات والأطفال والشباب على حد سواء.
وتضمنت الليالي فقرات عدة، منها ما يتعلق برمضان من أناشيد وابتهالات وأمسيات روحية، وأخرى مخصصة للأطفال من عروض ترفيهية ومسابقات، بالتوازي مع الأجواء المميزة التي تزينت فيها الساحات والفوانيس، فضلا عن الحضور الكثيف للناس من مختلف المناطق المجاورة لصيدا، حيث غصّ المكان بالزوار الذين قصدوه للاستمتاع بالأجواء الرمضانية الخاصة.
في خان الإفرنج، والحارات المجاورة له، فعاليات عدة ومتنوعة يتم تقديمها يوميا، من أمسيات ثقافية وفنية، إلى أنشطة اجتماعية وتراثية، تعكس صورة رمضان كما عرفته المدينة عبر أجيالها، وتظهره بشكل خاص ومميز، في تلاقٍ بين الماضي والحاضر، وبين روح العبادة وفرح اللقاء.
ومن بين الحضور، عبّرت أحدى السيدات اللواتي تزرن الفعاليات للمرة الأولى عن سعادتها الكبيرة بالأجواء، وتقول في حديث مع موقع “لبنان الكبير”: “بصراحة لم أكن أتوقع هذا الحجم من التنظيم والزينة والبرامج. هذه أول مرة أزور صيدا في رمضان، وكنت أسمع كثيرا عن أجواء خان الإفرانج، لكن ما رأيته الليلة فاق كل توقعاتي”.
وتضبف:” منذ لحظة وصولي شعرت بأنني دخلت إلى عالم مختلف، عالم يختصر معنى رمضان الحقيقي، من الفوانيس المضيئة إلى أصوات الأناشيد التي تملأ المكان”.
وتواصل حديثها: “حضرت مع عائلتي من بيروت، وكنا نبحث عن مكان نقضي فيه أمسية رمضانية مميزة، لكننا وجدنا أكثر من ذلك بكثير. هناك روح جميلة تجمع الناس، تشعر بأن الجميع هنا عائلة واحدة، لا فرق بين غريب وابن المدينة”.
وتشير الى أن :” أكثر ما لفتني هو هذا التوازن بين الطابع التراثي للمكان والتنظيم العصري للفعاليات. خان الإفرانج والحارات المحيطة به يبدوان وكأنهما يستعيدان ذاكرة قديمة ولكن بروح جديدة. الأضواء، الزينة، الضحكات، وحتى رائحة القهوة والحلويات في المكان، كلها تفاصيل تجعل التجربة متكاملة”.
وتختم حديثها مع “لبنان الكبير”: “يمكنني القول إنني خرجت الليلة بذكرى لن أنساها. هذه ليست مجرد فعالية عابرة، بل تجربة رمضانية حقيقية. بالتأكيد سأحرص على الحضور في كل سنة، وسأدعو أصدقائي أيضا ليعيشوا هذه الأجواء بأنفسهم”.
ومن ضمن الفعاليات مبادرات إنسانية كانت تستحق المتابعة، منها مبادرة مطبخ لنشر فكرة أن الدمج حق، وللإضاءة على قدرات مهمة موجودة بين الناس بمعزل عن الإعاقة.
وعن ذلك يؤكد الأستاذ وليد رزق، منسق المطبخ المجتمعي الدامج في مدينة صيدا في الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً، أن المبادرة تتجاوز بكثير فكرة إنتاج المأكولات، إذ يشكّل المطبخ مساحة آمنة بالدرجة الأولى لجميع النساء والرجال المستفيدين والمشاركين.
ويوضح أن المشاركين يخوضون، على مدى خمسين يوماً، تجارب لبناء القدرات من الناحيتين التقنية والاجتماعية، تشمل مهارات الطبخ والإنتاج وسلامة الغذاء، إضافة إلى المهارات المالية المرتبطة بإدارة العمل الخاص. كما تتضمن التدريبات مهارات حياتية أساسية، مثل إدارة الوقت، واتخاذ القرار، والتعبير عن المشاعر، وصولاً إلى التخصص في حل النزاعات، فضلاً عن جلسات متابعة مستمرة ترافق العمل اليومي داخل المطبخ.
ويشير رزق إلى أن الاتحاد يعمل على ترسيخ مفهوم “الدمج” بوصفه حقاً للجميع وواجباً على الجميع، لافتاً إلى أن الدمج لا يقتصر على ممارسات شكلية لنجاح المشاريع، بل يعني إتاحة الفرص والكفاءات للأشخاص المعوقين وغير المعوقين على قدم المساواة، بما يعزز كرامة الجميع، لأن كرامة أي وطن تنبع من كرامة المواطنين والمقيمين فيه.
ويختم حديثه مع “لبنان الكبير” بسرد تجربة من داخل المطبخ، حين تساءلت إحدى المستفيدات عما إذا كان زميل لها لديه إعاقة حركية في إحدى يديه سيتمكن من التقطيع مع المجموعة، فكان رده: “لماذا لا أستطيع؟ هل رأيتِ أنني لا أستطيع؟ لقد علّمني المعالج الانشغالي والشيف أساليب التقطيع بيد واحدة، والآن سترون كيف سأقطّع”. ويضيف في الختام أيضا أن المشكلة تكمن أحياناً في نظرة المجتمع الذي اعتاد نموذجاً واحداً متطابقاً، ولم يرسّخ بعد قناعة أن الاختلاف حق، وأن دعمه واجب للوصول إلى إنتاجات وأساليب متعددة ومتنوعة.
وكانت “مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة” قد أطلقت فعاليات الموسم السادس لـ”صيدا مدينة رمضانية”، اذ جرى اطلاق هذه الإحتفالية برعاية وحضور نائب رئيس “تيار المستقبل” ورئيسة مؤسسة الحريري السيدة بهية الحريري ومشاركة فاعليات رسمية وسياسية وبلدية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحضور حاشد من المدينة وخارجها.


