نشرت صحيفة “الشرق الأوسط”، التي تصدر في لندن، تقريرا للكاتب غازي الحارثي، وفي ما يلي النص الحرفي للتقرير:
مرت تسعة أعوام على الأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز باختيار الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد.
وجود الأمير في موقع قيادة يحمل نبض الشباب وطموحهم، ومن قبل ذلك توجيهات الملك، كان كفيلاً بإطلاق رؤية محلية سرّعت من الازدهار الاقتصادي والاجتماعي، وعززت من مكانة السعودية في لعب دور قيادي للتعاطي مع خريطة المنطقة، فضلاً عن الوصول والتأثير الدوليين.
تحولات جذرية
حملت السنوات في طياتها منعطفات اتسمت بالإيجابية، وحملت تحولات جذرية. لم تكن مجرد تغييرات سطحية، بل كانت صناعة توجهات تعيد تعريف مفهوم النجاح في القرن الحادي والعشرين، ولم يسعَ لذلك في بلاده فحسب، بل حتى تغيير حال المنطقة من النزاع إلى التنمية، وفق مسعاه الذي كان آخره إخماد عدد من الصراعات الإقليمية وصنع فرص للسلام. وفي الطريق إلى ذلك أصبحت السعودية وجهة دولية وازنة على الخريطة، وفقاً للكثير من الدراسات والتعليقات والبحوث التي تناولت أبرز الملفات الدولية أو التحولات في المنطقة.
واستضافت السعودية على أثر ذلك عشرات القمم ومئات الاجتماعات المصيرية لأبرز قضايا العالم، وخصوصاً السياسية منها، كما استقبل الملك وولي العهد عدداً كبيراً من زعماء العالم يقترب من 120 زيارة خلال السنوات الأخيرة.
منذ وقت مبكر بدأ ولي العهد السعودي قيادة مسيرة الانفتاح السعودي على العالم من جوانب عدة، ليس أقلها الجوانب الاقتصادية والثقافية، بل كان الانفتاح السياسي سمة بارزة خلال السنوات الأخيرة، ليصل إلى مناطق غير مسبوقة في تاريخ السعودية والمنطقة.
وأكد كثير من المراقبين أن سياسات الرياض بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال السنوات الأخيرة أسهمت في الدفع بثقل المملكة في الملفات المعقدة وجلب الأطراف كافة إلى طاولة المفاوضات، ومن ذلك صناعة السلام عبر الحوار.
مكانة دولية
خلال العقد الأخير، كانت السعودية الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي استضافت زعماء الولايات المتحدة والصين وروسيا في غضون أشهر قليلة وسط احتدام التجاذبات الدولية في ظل تصاعد التوتر في العالم، من الحرب الأوكرانية إلى النزاع التجاري والاقتصادي، وليس نهاية بالحرب على غزة والتوتر في أنحاء الشرق الأوسط، مما جعل السعودية لاعباً رئيسياً في التأثير على السياسات الدولية.
وبرهن على ذلك حجم وعدد ومستوى الزيارات والمشاورات مع السعودية، خصوصاً منذ اندلاع الحرب في غزة، والقمم والاجتماعات الدولية التي انعقدت على أرض المملكة لتحقيق السلام.
الوساطة الدولية
كان دور الدبلوماسية السعودية فاعلاً أيضاً في السنوات الأخيرة، إذ احتضنت السعودية بتوجيهات من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، محادثات أميركية – أوكرانية ضمن مساعيها لحل الأزمة، بفضل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، إلى جانب اجتماعات الدرعية وجدة العام الماضي بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا.
ويعكس ذلك أن السياسة الخارجية للبلاد أصبحت تتسم دولياً بطابع السلام ووقف إطلاق النار وإنهاء الحروب، على غرار متابعة مسار الوساطة وطرح الحوار حلاً أساسياً خلال الأزمة الروسية – الأوكرانية، والتوجيه بتقديم أشكال متعددة من الإغاثة والمساعدات، والتوسط لإطلاق سراح الأسرى.
وقال مايكل ميتشل، المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، في تصريح سابق إن العالم أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لوقف إطلاق نار بين روسيا وأوكرانيا بعد مفاوضات السعودية، معبراً عن تقدير بلاده للدور السعودي في دفع الجهود الدبلوماسية واستضافة المحادثات المهمة، وتأكيد التزامها بالعمل مع جميع الأطراف المعنية لتحقيق سلام دائم في أوكرانيا.
القضية الفلسطينية
حظيت القضية الفلسطينية بحراك غير مسبوق منذ عقود، ونجحت السعودية خلال الأشهر والسنوات الأخيرة في دفع الكثير من الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ليصل عدد الدول إلى 149 دولة وفقاً للخارجية الفلسطينية.
كما أكد ولي العهد السعودي شرط بلاده للتطبيع مع إسرائيل الذي لن يمر دون الدولة الفلسطينية، إلى جانب استضافة الدول العربية والإسلامية كافة في الرياض مرتين متتاليتين لتوحيد المواقف والضغط على المجتمع الدولي، وترؤس اللجنة المنبثقة عن القمة، إلى جانب قيادة التحالف الدولي لحل الدولتين وترؤس المؤتمر الدولي بشأنه في نيويورك.
وأشاد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى بمواقف السعودية التي ساهمت في إنضاج المواقف الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية وتقديم الدعم لها، مؤكداً أن تجسيدها ضمن حل الدولتين يمثل أساس السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
دعم تعافي سوريا
بعد إعلان السعودية أواخر كانون الأول 2025 زيارة وفد سعودي برئاسة مستشار الديوان الملكي إلى دمشق ولقاء قائد الإدارة الجديدة آنذاك رئيس الجمهورية حالياً أحمد الشرع، انطلقت السعودية في دعم سوريا، وواصل الجسران السعوديان الجوي والبري دعم الشعب السوري.
وتضاعفت المشاريع الإنسانية والطبية والتنموية السعودية نهاية العام الماضي بأكثر من 100 في المائة عن عام 2024، بواقع أكثر من 103 مشاريع بتكلفة إجمالية قاربت 100 مليون دولار.
كما دفعت السعودية إلى رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، إضافة إلى دعم شمل تسديد الديون المستحقة على سوريا للبنك الدولي بنحو 15 مليون دولار، وتغطية جزء من رواتب موظفي الحكومة عبر مبادرة مشتركة مع قطر والأمم المتحدة.
ومن مبادرة إنهاء الأزمة اليمنية، وصولاً إلى احتضان اليمنيين وعقد اجتماعات تشاورية حول القضية الجنوبية، إلى دعم عمليات الإجلاء في السودان ومنبر جدة بشأن السودان، وصولاً إلى المساعدات الإنسانية والتحركات السياسية الرفيعة لحل الأزمة السودانية.
قمم وتوافقات
إلى جانب تصاعد دورها الإقليمي والدولي، لعبت السعودية دوراً رئيسياً على الصعيدين العربي والإسلامي خلال السنوات التسع الماضية منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد.
واستضافت السعودية منذ عام 2018 حتى عام 2024 سبع قمم عربية وإسلامية، من بينها قمة الظهران العربية في نيسان 2018، وقمة مكة لدعم الأردن في حزيران 2018، وقمة مكة العربية الطارئة في أيار 2019، والقمة العربية – الصينية في كانون الأول 2022، وقمة جدة العربية في أيار 2023، إلى جانب القمة العربية – الإسلامية المشتركة غير العادية في تشرين الثاني 2023، وقمة المتابعة في الشهر ذاته من عام 2024.
وخلال العام الماضي عززت السعودية قدراتها الدفاعية والاستراتيجية عبر اتفاقية دفاعية مع باكستان، إضافة إلى اتفاقية دفاعية مع واشنطن في زيارة تاريخية إلى الولايات المتحدة في تشرين الثاني 2025، إلى جانب توسيع علاقات التعاون مع القوى الدولية في الصين وروسيا وأوروبا.
فجر رائع للعلاقات مع أميركا
أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقيادة ولي العهد السعودي، وقال إن ولي العهد يمثل حلفاء الولايات المتحدة الأقوياء، معتبراً أن فجراً رائعاً ينتظر الشرق الأوسط.
كما وصف السعودية بأنها قلب ومركز العالم، وأن الرياض في طريقها لتصبح مركز أعمال عالمياً.
ووقع البلدان خلال زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن أواخر العام الماضي حزمة واسعة من الاتفاقيات شملت اتفاقية الدفاع الاستراتيجي، وحزمة مبيعات دفاعية، والتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، والشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، وتأمين سلاسل الإمداد لليورانيوم والمعادن، وتسريع الاستثمارات.
كما أعلن الرئيس الأميركي تصنيف السعودية حليفاً رئيسياً خارج حلف شمال الأطلسي، مشيداً بقدرات السعوديين التفاوضية، ومعتبراً أنهم مفاوضون رائعون.


