تذهب معظم التحليلات والنظريات المتعلقة بالصراع بين أميركا وإيران في اتجاه واحد؛ بوصفه صراعاً تقليدياً على النفوذ، وتضارباً في المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، والأطراف الملحقة بهذا الصراع ضمناً: “إسرائيل” من جهة أميركا، و”المحور” من جهة إيران. وعلى الرغم من صواب هذا التقييم، فإن فهم خفايا هذا الصراع يتطلب غوصاً أعمق في أسباب استمراره، رغم محاولات الوسطاء الجادة لاحتواء التصعيد وإيقاف الحرب التي اندلعت مؤخراً، بعد سنوات من المحاولات التي اتخذت أشكالاً عدة للحيلولة دون وقوعها.
أما وقد نعيش غمارها اليوم، فلا بد من التوقف عند المبادرة الباكستانية (والصينية ضمناً) بدعوة الطرفين إلى التفاوض المباشر، وهو ما أدى إلى تعثر المحاولة الأولى، بينما نمضي الآن في الطريق نحو المحاولة الثانية.
انطلاقاً من هذه المعطيات، لا أرى مقاربةً لما يحدث أدقَّ من “معضلة السجين” كإطار سياسي؛ فهذه المعضلة القائمة على الشك وانعدام الثقة، وإسقاطها على الصراع القائم بين واشنطن وطهران، هو أقصر الطرق لفهم ما يدور فعلياً على طاولة المفاوضات.
معضلة السجين: مقاربة تفسر لماذا قد لا يثق الطرفان ببعضهما، حتى لو كان التعاون مصلحة مشتركة. وهي منبثقة من قصة افتراضية لمتهمين لا يملك المحقق أدلة كافية لإدانتهما بالجُرم. والخيارات المتاحة أمام كل متهم أثناء التحقيق هي: إما أن يشهد على الآخر أمام القاضي، أو يلتزم الصمت. ففي حال آثر المتهمان الصمت، لن تستطيع المحكمة إثبات التهمة، ويُحكم على كل منهما بالسجن ستة أشهر فقط. أما إذا شهد أحدهما على الآخر، فيخرج “الواشي” حراً، ويُحكم على الآخر بالسجن عشر سنوات. وإذا اختار كلاهما الوشاية بالآخر، يُحكم على الاثنين بالسجن عشر سنوات، علماً أن أياً منهما لا يعلم بقرار الآخر أثناء التحقيق معه.
وهنا يُعد “توازن جون ناش” إضافة نوعية لفهم هذه المعضلة؛ إذ يصف وضعاً لا يمكن لأي مفاوض فيه الاستفادة من تغيير استراتيجيته من جانب واحد، إذا بقيت استراتيجية الطرف الآخر ثابتة. وضمن معضلة السجين، يفسر “توازن ناش” سبب إحجام الأفراد عن التعاون، حتى لو بدا أنه يصب في مصلحتهم المباشرة.
تساعد معضلة السجين في فهم منطق “الحذر والارتقاب” الذي يحكم سلوك الطرفين؛ فالمشكلة لا تكمن في غياب فرص التعاون، بل في غياب الثقة، بالرغم من إدراك الطرفين – ولو بدرجات متفاوتة – أن التهدئة المتبادلة تخفف الأعباء الاقتصادية والأمنية. إلا أن هذا الإدراك يصطدم دائماً بسؤال جوهري: “ماذا لو لم يلتزم الطرف الآخر؟”، وهو ما يرسخ حالة الريبة.
يجب أن نعلم أن التعاون في بيئة غير مستقرة يُنظر إليه كمخاطرة أكثر منه فرصة، مما يدفع كل طرف إلى تفضيل خيارات تبدو أكثر أماناً في المدى المنظور، حتى وإن كانت باهظة الكلفة على المدى البعيد! وهذا الخيار “الآمن” تحكمه عوامل داخلية لدى كل طرف: الرأي العام، والمعارضة، والخلل في توازنات السلطة، والأهم من ذلك كله: الخوف من الظهور بمظهر “المتنازل” أمام الشعب!!
في الحالات الطبيعية، يُعالج غياب الثقة عبر خطوات جزئية “لبناء الثقة” تختبر النوايا تدريجياً للوصول إلى حل نهائي. إلا أن تحليل الصراع بين أميركا وإيران من منظور معضلة السجين يكشف أن المعضلة ليست في “تضارب المصالح” بقدر ما هي في “إدارة هذا التضارب” في ظل انعدام الثقة؛ فحين تتحول كل خطوة إلى اختبار للنوايا، ينعدم التعاون ويصبح التصعيد خياراً حتمياً.
إن نهاية هذا الصراع تتأرجح بين مسارين: إما بناء ثقة تدريجية شاقة، وإما حرب مفتوحة على خيارات أقل ما يُقال فيها: “يا لطيف.. شو بيعرفني”.


