أعيدوا كتابة التاريخ، وعلّموه لأولادكم كما هو، لا كما كُتب في بيانات التسويات، ولا كما حاول إعلام القوة فرضه على الناس. علّموهم أنّ ٧ أيار لم يكن “يوماً عابراً” في الخلاف السياسي اللبناني، بل اللحظة التي أُعلن فيها بوضوح أنّ السلاح أقوى من الدولة، وأنّ بيروت يمكن أن تُجتاح خلال ساعات فقط لأنّ فريقًا سياسيًا قرّر أنّ الحكومة تجاوزت “الخطوط الحمراء”.
علّموهم كيف أُقفلت شوارع العاصمة، وكيف سقط شهداء في أحياء بيروت فقط لأنّهم وُلدوا في الجهة السياسية الخطأ. علّموهم كيف اقتُحمت مكاتب وسائل إعلام، وكيف تحوّلت المدينة إلى مشهد ميليشيوي كامل، بينما كانت الدولة تتفرّج، عاجزة أو خائفة أو متواطئة. وعلّموهم أنّ كثيرين يومها حاولوا تسويق ما حدث على أنّه “عملية محدودة”، فيما الحقيقة أنّ الرسالة كانت واضحة: أي قرار لا يرضى عنه حزب الله يمكن إسقاطه بالقوة خلال ساعات.
علّموهم أنّ المنطق الذي اجتاح بيروت في ٧ أيار هو نفسه الذي ذهب إلى سوريا لاحقًا. العقلية نفسها: لا مشكلة في عبور الحدود، ولا في توريط طائفة كاملة بحرب إقليمية، ولا في حماية نظام بنى سجونه على التعذيب، مثل صيدنايا، طالما أنّ “المشروع” بخير. يومها قيل للبنانيين إنّ التدخل في سوريا هدفه حماية لبنان. النتيجة؟ ملايين النازحين، تفجيرات، انهيار اقتصادي، وعزلة عربية ودولية لم يعرفها لبنان حتى في عزّ الحرب الأهلية.
علّموهم أنّ من دفع الثمن الحقيقي لم يكونوا قادة الأحزاب ولا أصحاب الخطابات، بل الناس العاديون. أهل الضاحية الذين خسروا بيوتهم في كل حرب. أبناء الجنوب الذين يعيشون منذ عشرين عامًا بين تهديد الحرب والانهيار. شيعة جبل عامل الذين يُطلب منهم دائمًا دفع الفاتورة البشرية والاقتصادية باسم “المقاومة”، بينما أولاد الطبقة السياسية يعيشون بأمان بين أبيدجان وباريس ولندن. اسألوهم: ماذا جلب السلاح للجنوب بعد ٢٠٠٦ غير الدمار والهجرة والانهيار؟ أين الدولة؟ أين الاستثمار؟ أين الحياة الطبيعية؟
علّموهم أيضًا كيف تغيّرت اللغة السياسية في لبنان بعد ٧ أيار. قبلها، كان هناك على الأقل وهم التوازن والشراكة. بعدها، أصبح الجميع يتحدّث بمنطق “شو بيقبل الحزب”. رؤساء حكومات أُسقطوا. انتخابات رئاسية عُلّقت سنوات. قضاة هوجموا. تحقيقات بالمرفأ توقفت. وحتى اليوم، لا أحد يجرؤ على فتح ملفات حقيقية مرتبطة بالسلاح أو التمويل أو القرار الأمني.
وانظروا إلى الأمثلة الحيّة اليوم: بلد يعيش حروب الآخرين على أرضه بانتظار نضوج التوازنات الإقليمية. حكومة مشلولة كلما تعارض أي قرار مع مصالح الحزب. شباب يهاجرون بالآلاف فيما تُرفع شعارات “الصمود”. الجنوب يعيش على حافة الحرب الدائمة، فيما يطلّ الشيخ نعيم قاسم من خلف الشاشات ليتحدّث عن “الانتصارات الإلهية” وعن “الميدان”. حتى داخل البيئة الشيعية نفسها، التي دُفعت لعقود إلى اعتبار أي اعتراض خيانة، بدأت الأسئلة تُطرح بصوت منخفض: إلى أين أوصلنا هذا؟
وعلّموهم أيضًا أنّ أخطر ما فعله ٧ أيار لم يكن فقط الدم أو السلاح، بل كسر فكرة الدولة في وعي الناس. منذ ذلك اليوم، اقتنع كثير من اللبنانيين أنّ القانون انتقائي، وأنّ العدالة مستحيلة، وأنّ القوة وحدها تحكم. وهذا أخطر من أي اشتباك عسكري، لأنّه دمّر ثقة اللبنانيين بوطنهم وبإمكانية بناء دولة فعلية.
هي ليست ذكرى للكراهية، بل للتحذير. لأنّ الشعوب التي لا تواجه لحظات سقوطها بصدق، محكومة بأن تعيش الكارثة نفسها جيلًا بعد جيل. ومع كل سنة تمرّ، يصبح أوضح أنّ الذين حذّروا من منطق السلاح، ومن ربط لبنان بالمحاور، ومن تحويل الطائفة إلى وقود لمشروع أكبر منها، لم يكونوا يبالغون… بل كانوا يرون ما رفض الآخرون الاعتراف به.
لبنان، منذ عقود، يدفع ثمن مشاريع تفوق حجمه وقدرته على الاحتمال. وربما اختصر محمد شطح، بهدوئه القاسي، المأزق اللبناني كله حين قال: “أبو عمار ثم الأسد والآن حزب الله”. وإذا كان اللبنانيون قد نجحوا كل مرة في تأجيل السقوط، فالخوف اليوم أن يكتب التاريخ أنّ الضربة الثالثة لم تكن مجرد أزمة أخرى… بل نهاية الفكرة اللبنانية.


