“طيران الشرق الأوسط” في مواجهة الاستهداف: أجنحة لبنان لا تنكسر

لبنان الكبير

في أكثر اللحظات حلكة من تاريخ لبنان الحديث، حين تقطعت السبل بالبلاد وابتعدت الشركات العالمية عن الأجواء اللبنانية، بقيت هناك ثبات واحد: أجنحة لبنان، أي “طيران الشرق الأوسط” (MEA). بينما آثرت كبريات شركات الطيران الانسحاب حفاظاً على مصالحها، واصلت MEA رحلاتها، لتؤكد أن دورها يمتد إلى بعد وطني وإنساني يتجاوز الحسابات التجارية الضيقة.

لكن المفارقة المؤلمة لم تأتِ من الخارج، بل من أصوات داخلية وخارجية حاولت توجيه طعنات في ظهر الشركة التي حملت على أكتافها صمود بلد بأكمله. لم تقتصر هذه الهجمات على بعض الأفراد، بل تصدرت نقابة الطيارين اللبنانيين المشهد، مروّجة لمعادلة “المخاطر الصفرية” التي تحوّلت إلى شعار سياسي ومبرر لمحاولات فرض حصار جوي مدني على لبنان. هذه النقابة، التي كان من المفترض أن تمثل مصالح الطيارين المهنية، انخرطت في حملة تضليلية تهدف لتقويض عمل الشركة الوطني، متجاوزة بذلك دورها الطبيعي نحو سياسات داخلية ضيقة ومصالح فئوية.

يروج البعض لمعادلة “المخاطر الصفرية”، متجاهلين أن الاستسلام الكامل وإغلاق المطار يعني عزل لبنان عن العالم. أما قرار الاستمرار في التشغيل، فلم يكن مغامرة ارتجالية، بل نتاج رؤية استراتيجية منسقة بين الحكومة اللبنانية، الطيران المدني، وإدارة الشركة، مستندة إلى ضمانات دولية تُبقي المطار بعيداً عن أي صراع، وفق سياسة “إدارة المخاطر المدروسة” التي توازن بين سلامة الركاب والطواقم وضرورة إبقاء لبنان متصلاً بالعالم.

ولم تثنِ محاولات الترويج للشائعات والاتهامات بشأن الإجراءات التدريبية للطيارين، عن سجل الشركة الناصع على مدى 60 عاماً، بما في ذلك:

تسيير عشرات آلاف الرحلات بنجاح وكفاءة عالية.

خضوع حالات محدودة لإعادة التدريب تحت إشراف طيارين محترفين، وفق معايير عالمية روتينية.

الحفاظ على سجل سلامة خالٍ تماماً من أي حادثة طيران.

هذا الأداء المشرف تُوّج مؤخراً بنيل MEA تصنيف “Airline Matured” الدولي للسلامة الجوية، بعد عمليات تدقيق تقنية مؤكدة جاهزية الشركة المطلقة.

ولم تقتصر الهجمات على البيانات الداخلية، بل شملت تحريض سفارات غربية وشركاء في تحالف SkyTeam لإلحاق الضرر بالسمعة والعلاقات التجارية للشركة. وفي كل هذا، برز دور نقابة الطيارين اللبنانيين كمصدر لضغط سياسي ومؤسسي، مستغلة شعارات السلامة لتصفية حسابات فئوية، متناسية أن مهمتها الأساسية هي حماية مصالح الطيارين المهنية وليس تعطيل مؤسسة وطنية حيوية.

في قلب هذه المؤسسة، يقف محمد الحوت، رئيس مجلس إدارة MEA، نموذج القائد الإداري الملتزم برؤية استراتيجية قائمة على بناء المؤسسات وتحقيق النجاحات المستدامة، بعيداً عن المزايدات السياسية والشعارات الفارغة. منذ توليه الإدارة عام 1998، حوّل الشركة من منشأة مهددة بالإفلاس إلى واحدة من أكثر شركات الطيران نجاحاً في المنطقة، مطوراً أسطولها، ومضمناً مكانتها في تحالف SkyTeam العالمي، رافعاً اسم لبنان في المحافل الدولية.

والاختبار الحقيقي كان خلال الأزمات الكبرى: من حرب تموز إلى الانهيار الاقتصادي وصولاً إلى الحرب الأخيرة، حيث بقيت طائرات MEA وحدها تحلق في السماء، حاملة رسالة صمود، ومثبتة أن الأمل الوطني يمكن أن يُحلق حتى وسط العواصف.

إن إنجازات MEA ومواصلة عملياتها لا تعكس مجرد نجاح تجاري، بل تمثل قصة صمود وطني ودرساً في إدارة الأزمات، ستظل محفورة في وجدان اللبنانيين كشاهد على مؤسسة رفضت ترك أهلها لمصيرهم في مهب الرياح، محافظة على نافذة لبنان إلى العالم، وحاملة رسالة أمل وثقة رغم كل الصعاب، في مواجهة ضغوط فئوية داخلية تمثلها نقابة الطيارين.

شارك المقال