يشهد مجال الدفاع الجوي تطوراً متسارعاً مع دخول تقنيات الليزر إلى ساحة المعركة، حيث تعد إسرائيل بأن منظوماتها الجديدة قد تحدث نقلة نوعية في التصدي للطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى، ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من “الحرب الذكية” منخفضة التكلفة وعالية الدقة.
هذا ما أكده بيريدور مورغان، باحث سياسات بريطاني في مركز بينسكر وطالب ماجستير بـجامعة كامبريدج، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأميركية.
ويقول مورغان إنه من المرجح أن تعتبر الحرب مع إيران واحدة من أكثر الحروب إثارة للاهتمام من الناحية التكنولوجية خلال هذا القرن. فقد استخدمت الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي في كل مرحلة من مراحل سلسلة الاستهداف والقتل. وفي المقابل، بدد الاستخدام الإيراني للطائرات المسيرة أي شكوك متبقية بشأن أهمية هذه الطائرات في ساحات قتال أخرى كما كان الحال في أوكرانيا. لكن هذه الحرب قد تذكر أيضاً باعتبارها أول حرب استخدم فيها ابتكار تكنولوجي آخر أقل تداولاً في النقاشات، وقد يكون قادراً على إحداث تحول جذري في ميدان المعركة، وهو نظام “آيرون بيم” (الشعاع الحديدي) الإسرائيلي الجديد للدفاع الجوي القائم على الليزر.
ويتمتع نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي بالفعل بسمعة عالمية واسعة بفضل نجاحاته وابتكاراته. وتعد “القبة الحديدية” أشهر عناصر هذا النظام، إذ تمكن النظام منذ دخوله الخدمة التشغيلية لأول مرة عام 2011 من تنفيذ أكثر من 10 آلاف عملية اعتراض بمعدل نجاح لا يقل عن 90%. كما يضم النظام الإسرائيلي منظومتي “مقلاق داوود” و**”آرو”**، اللتين توفران الحماية ضد الصواريخ ذات المدى والقوة الأكبر مقارنة بالقبة الحديدية. وبشكل جماعي، أثبتت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية فعالية كبيرة في التصدي لمختلف التهديدات التي تواجهها إسرائيل من عدة اتجاهات ومنعها من إلحاق دمار واسع بالبلاد. لكن مع الانخفاض الحاد في تكلفة إنتاج الطائرات المسيرة الصغيرة والفتاكة، بدأت الكفة الاقتصادية تميل لصالح الهجوم، ما فرض تحدياً على منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية من ناحية التكلفة.
وقامت شركة “رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة”، التي طورت القبة الحديدية، الآن ببناء تقنيات ليزر لسد هذه الفجوة. فبينما تعتمد القبة الحديدية التقليدية على إطلاق صواريخ لاعتراض المقذوفات القادمة، يطلق نظام “آيرون بيم” حزمة عالية الطاقة لحرق الصواريخ وتدميرها في الجو. وبعد أن كان الليزر ينظر إليه لسنوات باعتباره مجرد فكرة من أفلام الخيال العلمي في حقبة الحرب الباردة، بدأت إسرائيل نشر هذه التقنية بصورة منهجية ورسمية في أواخر العام الماضي.
ويقول مورغان إنه مثل القبة الحديدية، تبلغ التكلفة الأولية لنظام “آيرون بيم” عشرات الملايين من الدولارات، إلا أن الليزر يعد بخفض كبير في التكاليف التشغيلية المتغيرة. ففي حين تبلغ تكلفة كل صاروخ اعتراض من القبة الحديدية عشرات آلاف الدولارات، فإن تكلفة إطلاق الليزر بعد تركيب النظام تقتصر على تكلفة الطاقة المستخدمة في إطلاق الشعاع، والتي قد لا تتجاوز دولارين لكل عملية إطلاق.
وعلاوة على ذلك، يمتلك الليزر ما يشبه مخزوناً غير محدود من الذخيرة طالما كان متصلاً بمصدر طاقة موثوق. كما يتطلب عدداً أقل من الأفراد لتشغيله، ويتجاوز القيود المرتبطة بإنتاج صواريخ الاعتراض وتوفيرها.
ومع ذلك، توجد حدود نظرية واضحة لفعالية “آيرون بيم”. فالأمطار الغزيرة، والغيوم المنخفضة الكثيفة، والضباب الكثيف، والعواصف الرملية تؤدي إلى تشتيت شعاع الليزر، بينما تظل صواريخ القبة الحديدية قادرة على العمل في جميع الظروف الجوية تقريباً. كما أن الليزر لا يستطيع استهداف سوى هدف واحد في كل مرة، وهو ما قد تستغله أسراب الطائرات المسيرة أو الصواريخ التي تطلق بشكل متزامن. كذلك يقتصر مداه التشغيلي على نحو 7 إلى 10 كيلومترات، مقارنة بمدى يصل إلى نحو 70 كيلومتراً للقبة الحديدية. ولذلك، فإن أفضل سيناريو محتمل هو أن تعمل أنظمة الليزر كمكمل للقبة الحديدية وليس كبديل كامل لها.
وبعيداً عن السياق الإسرائيلي، تحمل هذه التكنولوجيا إمكانات واعدة للدفاع عن المواقع والمنشآت الصغيرة. فالقواعد الأميركية في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، تتعرض بشكل متكرر لهجمات بطائرات مسيرة، وقد تستفيد من مثل هذه الأنظمة.
وربما تكمن الإمكانية النظرية الأهم لأسلحة الليزر الدفاعية في قدرتها على مواجهة هيمنة الطائرات المسيرة على ساحات القتال. وتشير التقديرات إلى أن 90% من خسائر ساحة المعركة في أوكرانيا تعود حالياً إلى الطائرات المسيرة، ولا توجد وسيلة سهلة للدفاع ضدها. ومع دخول عصر الدروع العسكرية مراحله الأخيرة، يبدو أن الانتشار السريع والقدرة العالية على الحركة هما الحلين المتاحين حالياً، رغم محدوديتهما.
لكن إذا أثبتت أنظمة الليزر الإسرائيلية قدرتها على التعامل بفعالية مع الطائرات المسيرة، فقد يتغير ميزان القوى مرة أخرى. فالمسيرات نفسها تتأثر بالظروف الجوية، وبالتالي فإن العقبتين الرئيسيتين أمام إحداث الليزر تحولاً كبيراً في ساحة المعركة تتمثلان في تكاليف الإنتاج والموثوقية التشغيلية. وإذا أمكن التغلب على هاتين العقبتين، فقد تصبح المركبات المدرعة المزودة بأنظمة دفاع ليزر هي الوسيلة الأكثر فاعلية للتصدي للطائرات المسيرة.
وفي الواقع، أدركت شركة رافائيل هذه الإمكانية بالفعل، وبدأت في إنتاج أنظمة ليزر تعرف باسم “لايت بيم” مخصصة للتركيب على المركبات.
تتمثل المهمة الأساسية لنظام “آيرون بيم” في مواجهة التهديدات منخفضة التكلفة وقصيرة المدى. وبمعنى آخر، فإن الحرب الجارية مع إيران، التي تعتمد إلى حد كبير على طائرات مسيرة أكبر حجماً وبعيدة المدى، لم تكن البيئة المثالية لاختبار أدائه.
لكن عودة العنف على الحدود الشمالية لإسرائيل مع حزب الله قد توفر فرصة أفضل لتقييم قدرات النظام. كما أرسلت إسرائيل منظومة “آيرون بيم” إلى دولة الإمارات في إطار جهود حماية الإمارات من القصف الإيراني، بحسب مورجان.
ورغم أن بعض التقارير غير الرسمية تشير إلى نتائج أقل من المتوقع حتى الآن، فإن البيانات لم تنشر للعلن، ولا توجد صورة تفصيلية واضحة حتى الآن بشأن فعالية النظام الحقيقية.
ولا تقتصر جهود تطوير تقنيات الليزر على إسرائيل وحدها. فالمملكة المتحدة تطور نظام “دراجون فاير” لصالح البحرية الملكية، بينما بدأت البحرية الأميركية استخدام نظام “هيليوس”. ويبقى التحدي الرئيسي هو إنتاج نسخ أصغر حجماً ومخصصة للعمليات البرية تكون جاهزة للتعامل مع متطلبات ساحة المعركة في مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا.
ويختم مورغان بأن هناك حاجة دفاعية واضحة لمثل هذه التقنيات، ومن ثم ينبغي للدول الغربية أن تتابع أداء “آيرون بيم” عن كثب.
المصدر: “د ب أ”


