لا يكفي أن تصمد بمرارة، ولا يكفي أن تقف جامداً كصخرة أعياها تمادي الأمواج عليها، وهي تلوذ بالصمت متوهمةً أن البحر يتراجع.
تتفقّد ما تبقّى منك سرّاً، فلا تجد نفسك ولا قصصك الأليفة… وقد أضحى المكان حُطاماً ما تلبث أن تخترقه آهات الحنين، فيما تتردد أصداء الزوال وصيحات العدم من كل ثنايا ذلك البعيد العزيز، الراحل والمتواري عن أرواحنا…
الجبّار الذي يقف أمام شظاياه بهدوء لكن قلبه ينزف لوعةً… هو أخي الذي يخجل أن يبدي وجعه أمامي… مع أنّ الأشقاء جميعاً يتبادلون بلسمة الأسى في الخفاء، قبل الظهور أمام الأعداء بكبرياء.
أقترب من آلامك فأضمّدها ولا أستهين بها. ننشد معاً إعادة الاعمار لعلّه يعيد خلق الأماكن، ولو لم يستعد الأجواء واللحظات والتجمعات التي خسرت وجوهها والضحكات والنظرات الحنونة…
الإنتصار بمفهومه الاستراتيجي له أدبياته وحساباته وأكاذيبه…لكن مُصابك حقيقيٌّ كخطوات طفلك الذي قطف زهرة وركض بها إليك يوماً، فيما تركض في جنازته وأنت تسابق الانهيار في قلبك. أردته على منصّة التخرّج وأرادوه لك في تابوت يكابر على الأحزان.
الحياة ليست حلبة قتال، أو على الأقل ينبغي أن لا نجعلها كذلك، وشتّان بين الموت والإنتحار، فإختيار الموت خطيئة أما تلقّفه فالرضى بالأقدار.
الأمان مناخ، لا تمنحه لنا عواصف الخارج التي نراهن عليها أو نصارعها، وما نفع أن نتعلّق بعقيدة فنصبح بلا هوية؟!
كيف تُختزل الذاكرة النضرة بطلقة أو صاروخ، وكيف لمسيّرة ماكرة أن تنهي عمراً زاهراً، فيما ندّعي أن الحرب تصوننا وتكسونا كرامةً ؟!
في الوطن الواحد، نلتقي على فنجان القهوة، ومباراة كرة القدم، ونزهة البحر…لكن الأهم توحيد الدموع لا الساحات. فعندما نبكي في اللحظة نفسها، نكون بحق أبناء أرزة واحدة قد نختلف حول منبع الجذور ومنتهى الفروع، لكن ينبض فينا الشموخ ذاته.
دمنا الذي يسيل من جرائم الاغتيال والحرب والقصف يُدفن في الثرى نفسه، هذا المصير المشترك الذي تنطوي فيه كل النزاعات وتتلاشى. وعساها تكون آخر الحروب، فالأرض سئمت أن تُستباح كلّ مرّة، وأهاليها تمزّقوا من شقاء النزوح.
ينجو الإنسان ليعيش فرصاً أفضل، وينتصر لتتحسّن كلّ ظروفه. أما النجاة في لبنان فهي مسايرة للخيبات، والإنتصار لا يعدو كونه محاولة لفرض السطوة على اللبناني الآخر. فلا نجاة ولا انتصار بل مجرّد إستمرار لمأساة وطن.
النجاة ليست دائماً إنتصاراً !


