في اليوم الدّولي لمساندة ضحايا التعذيب… قضايا من الشمال تصل إلى جنيف!

إسراء ديب

تجدّد في اليوم الدّولي لمساندة ضحايا التعذيب أمس النّقاش حول الإشكاليات القضائية والأمنية في لبنان والمرتبطة بصورة خاصّة، بتلفيق الملفات للعديد من الشبّان، من مختلف المناطق، من الشمال إلى الجنوب، والذين ما زالوا يقبعون في السجون على خلفية تلك الملفات بانتظار إقرار قانون عفو عام عادل.

وبينما يترقّب الشماليّون مصير قانون العفو العام الذي ما زال يُراوح مكانه، تابعوا وقائع المؤتمر الصحافي الذي عُقد في جنيف بهذه المناسبة، بمشاركة خبراء من الأمم المتحدة وممثّلين عن منظمات دولية، حيث سُلّط الضوء على قضايا حقوقية وإنسانية من شمال لبنان، وفي مقدّمتها، ممارسات تعذيب بعض الشبّان في السجون أو خطفه لانتزاع الاعترافات منه بالقوّة، إلى جانب استذكار ضحايا قارب نيسان الذي غرق العام 2022 قبالة شواطئ طرابلس، ما أدّى إلى وفاة نحو أربعين شخصًا جرّاء “خطأ” عسكريّ لم تُكشف ملابساته أو أُخفيت عمدًا، دون أنْ يلقى أهالي الضحايا أيّة محاسبة تُشفي غليلهم حتّى هذه اللحظة.

ويقول أحد المقرّبين من الأهالي لموقع “لبنان الكبير: “من الجيّد أنْ يُطرح ملفنا المنسيّ في جنيف، لكنّنا نُدرك ألّا نتيجة ستُعيد إلينا ما فقدناه، ومن العجيب أنّ بعض الأهالي ينتظر حلًّا عبر العفو العام، وأجيبه ساخرًا، ليس استهزاء بحقوقه، بل بالمنظومة التي شاهدت غرقنا ولم تمدّ لنا يد العون، ولم تستردّ حقّنا من الدّولة العميقة التي قتلتنا مرارًا، فهل ستُنصفكم بعفو عام عادل؟”.

أمّا إحدى الأمّهات التي يقبع ابنها في السجن منذ عشرة أعوام تقريبًا (تُفضّل عدم الكشف عن اسمها أو اسم نجلها بانتظار صدور العفو) فتقول لـ “لبنان الكبير”: “اعتقلوه من مكان عمله واتهموه بالإرهاب بالقوّة بعد الضرب، واليوم نتابع تفاصيل المؤتمر، لعلّ المجتمع الدّولي يستردّ حقّنا”.

كان لافتًا في هذا المؤتمر، كلمة رئيس برنامج الدّعم القانوني في مركز “سيدار” للدّراسات القانونية المحامي محمّد صبلوح الذي اعتبر أنّ هذه المشاركة الحقوقية ستكشف واقع القضاء اللبناني، كما هو، أمام المجتمع الدّولي، في وقتٍ لم يعد خافيًا فيه، أنّ أيّ انتقاد حقوقيّ لأيّ ملف، بات يُؤكّد ترسيخ “الدّولة العميقة” بنسختها الشبيهة بالنّظام الأسديّ لدى بعض الأجهزة المحلّية، وذلك على الرّغم من سقوط الأخير في سوريا.

وقد وجّه صبلوح في كلمته، رسالة مفادها بأنّ لبنان وقّع اتفاقية مناهضة التعذيب العام 2000، وكان مُلزمًا بتقديم تقريره الأوّل العام 2001، إلا أنّه لم يُصدره إلّا في العام 2016، وذلك بعد ضغوط حقوقية مكثّفة. وخلال تلك الفترة، تبيّن لصبلوح، أثناء ترافعه أمام المحاكم العسكرية، العدلية والجنائية، أنّ بعض القضاة يجهل هذه الاتفاقية، وكأنّ لبنان يُوقّع دون تعميمها على المعنيين بتطبيقها. ونتيجة لتلك الضغوط، أُقرّ القانون رقم 65/2017 لتجريم التعذيب، “واعتبرناه حينها إنجازًا كبيرًا، ليتضح بحلول العام 2026، أنّ هذا القانون بقيَ حبرًا على ورق ولم يُطبّق أساسًا، على الرّغم من تشريعه من قبل المجلس النيابي بتفاصيل “ناقصة” كانت محلّ انتقاد من قبل المحامين”.

يُمكن التأكيد، أنّ الملفات القضائية اللبنانية التي ذُكرت أمس هي كالآتي:

أوّلًا، مخالفة الضابطة العدلية للقوانين، خصوصًا في حالات اختفاء مواطن أو أجنبي لمدّة 15 يومًا، حيث لا يُعثر عليه إلّا بعد رفع دعوى اختفاء قسري، ليتضّح لاحقًا أنّه موقوف لدى أحد الأجهزة الأمنية.

ثانيًا، عدم الالتزام بالمهل القانونية، وعدم تطبيق المادتيْن 47 و32، إذْ يُفترض ألّا تتجاوز مدّة توقيف الشخص لدى الضابطة العدلية أربعة أيّام، بينما يُحتجز الموقوفون لشهر كامل، ليتبيّن بعدها، وفق صبلوح، تعرّضهم للتعذيب خلال تلك الفترة. وأضاف: “ما رأيناه في صيدنايا، رأينا في أبلح، شمال لبنان، الضاحية والجنوب، وعند الانتهاء، يُحوّل ملف الموقوف إلى الشرطة العسكرية ويُمنع من تعديل المحضر الذي وقّع عليه خلال التعذيب، ما يمنح هذه الممارسة حصانة قضائية، مع العلم أنّ المديرية العامّة للأمن العام بدأت تتعاطى بإيجابية إدراكًا منها لحجم التجاوزات وسعيًا للحدّ منها”.

ثالثًا، مشكلة تعيين الطبيب الشرعي، إذْ يستغرق التعيين نحو عشرة أيّام، وهي مدّة كافية لزوال آثار التعذيب. كما أشار إلى غياب الأطباء الشرعيين المتخصّصين المكلّفين من وزارة العدل، والذين يمتنعون عن إصدار تقارير موضوعية تجنّبًا للمساءلة، فيعمدون أحيانًا إلى إرجاع سبب الوفاة إلى أسباب صحية عوضًا عن التعذيب، وقد تجلّى ذلك، في قضية الموقوف محمّد حرقوص، الذي عاد إلى منزله جثة، حيث زعم التقرير الأوّل أنّ الوفاة ناتجة عن توقّف قلبي رئوي، ليتبيّن بعدها، بعد معاينة الأهل لجثّته، وجود إصابة في رأسه أثبتت تعرّضه للضرب، ما أدّى إلى وجود تقريريْن متناقضيْن.

رابعًا، عدم ملاحقة أيّ ضابط عند ارتكابه خطأ، ففي حادثة قارب نيسان بطرابلس، تسبّب تصرّف خاطئ من ضابط بمقتل أشخاص، ومع ذلك، حُفظت الدّعوى وطُمست الحقائق. وأخيرًا، قتل ضابط شابًا وحيدًا لوالدته، أثناء محاولته اعتقاله في عكّار، وحُفظت القضية دون ملاحقة أيضًا، “وخلال عاميْن ونصف، سجّلنا في مركزنا سيدار أكثر من 107 شكاوى مرتبطة بالتعذيب، ولم تتحرّك حينها النيابة العامّة بصددها إلّا في قضية واحدة، لأنّها تحوّلت إلى قضية رأي عام، وهي مقتل اللاجئ السوري بشّار السعود أثناء التحقيق معه العام 2024”.

شارك المقال