نشر موقع “الجزيرة.نت” تقريراً يسلّط الضوء على التحديات المزدوجة التي تواجه الولايات المتحدة مع اقتراب الذكرى الـ250 لتأسيسها، والمتمثلة في أزمة الانقسام السياسي والهوية الديمقراطية على الصعيد الداخلي، وتراجع هيمنتها ونفوذها النسبي في ميزان القوى العالمي على الصعيد الخارجي.
والتقرير عبارة عن دمجٍ ومقارنةٍ بين مقالين ورؤيتين صدرتا عن وسيلتين إعلاميتين عالميتين بارزتين، هما: صحيفة “واشنطن بوست” (The Washington Post)، ومجلة “الإيكونوميست” (The Economist).
مع اقتراب الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، يتجدد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل القوة الأميركية، ليس فقط على مستوى النفوذ العالمي، وإنما أيضاً حول طبيعة المشروع الوطني نفسه.
ففي حين ترى “واشنطن بوست” أن البلاد تواجه “اختبارها الثالث” منذ تأسيسها، تؤكد مجلة “الإيكونوميست” البريطانية أن الولايات المتحدة لا تزال الأقوى عالمياً، لكنها لم تعد القوة المهيمنة بلا منازع كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية.
ويتفق المنبران الإعلاميان على أن أميركا تقف أمام لحظة مفصلية، لكنهما يختلفان في زاوية القراءة؛ إذ تركّز “واشنطن بوست” على الانقسام الداخلي وأزمة الهوية الديمقراطية، بينما تنظر “الإيكونوميست” إلى التحولات في ميزان القوة العالمي وتراجع التفوق النسبي لواشنطن.
صراع حول الهوية
يرى الكاتب ثيودور جونسون في “واشنطن بوست” أن “إعلان الاستقلال” تحوّل عبر القرنين الماضيين من وثيقة تسرد المظالم ضد التاج البريطاني إلى رمز للحقوق والفرص والمساواة، غير أن هذا الإرث يواجه اليوم تحدياً جديداً مع تصاعد الاستقطاب السياسي.
ويقول إن الولايات المتحدة أصبحت منقسمة بين رؤيتين: الأولى تريد استعادة “المجد المفقود”، والثانية ترى أن المشروع الأميركي لا يكتمل إلا بمواصلة توسيع الحقوق وتعميق الديمقراطية. ويكتب أن السؤال المطروح اليوم ليس كيف تستعيد البلاد ماضيها، بل “هل ستتحلى بالشجاعة لتطوير وعدها التأسيسي؟”
ويضيف أن قضايا مثل حقوق التصويت والتمثيل السياسي والهجرة والمواطنة والحدود الدستورية للسلطة أعادت فتح نقاشات كان يُعتقد أنها حُسمت منذ عقود، لتصبح جوهر الصراع السياسي الأميركي.
الهيمنة تتراجع
في المقابل، تقدم “الإيكونوميست” قراءة كمية لمكانة الولايات المتحدة، معتبرةً أنها لا تزال “أغنى وأقوى وأكثر ابتكاراً من أي وقت مضى”، لكنها تؤكد أن الفارق بينها وبين بقية القوى الكبرى يتقلص تدريجياً.
وتشير المجلة إلى أن الاقتصاد الأميركي ما يزال الأكبر عالمياً بأسعار الصرف الجارية، بقيمة 32.4 تريليون دولار، وأن البلاد تتصدر تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي، بينما يحتفظ الدولار بمكانته كأهم عملة في التجارة والمدفوعات الدولية.
لكنها توضح أن هذه القوة المطلقة لا تعني استمرار الهيمنة النسبية، فحصة الولايات المتحدة من الاحتياطيات العالمية بالدولار تتراجع، كما تقلّصت حصتها من الإنتاج الصناعي العالمي من نحو نصف الإنتاج بعد الحرب العالمية الثانية إلى نحو 15% حالياً، مقابل صعود الصين.
تعزيز القوة وإضعاف النفوذ
وترى “الإيكونوميست” أن الرئيس دونالد ترامب يسعى إلى إعادة بناء القوة الأميركية عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتشجيع الحلفاء على تحمّل مسؤولياتهم العسكرية، لكنه في المقابل يضعف أدوات النفوذ التقليدية للولايات المتحدة.
وتلفت إلى تقليص المساعدات الخارجية، وتجميد آلاف المنح البحثية، وتراجع جاذبية الولايات المتحدة للمهاجرين والباحثين، وهي عوامل قد تؤثر في الابتكار والريادة العلمية مستقبلاً.
كما تشير إلى أن الولايات المتحدة، التي طالما اعتُبرت “أمة المهاجرين”، قد تسجّل معدل هجرة يقترب من الصفر خلال عامَي 2025 و2026، بينما انخفضت نسبة الراغبين عالمياً في الانتقال إليها بصورة ملحوظة.
الديمقراطية أم الهيمنة؟
وتخلص “واشنطن بوست” إلى أن مستقبل الولايات المتحدة لن يتحدد بقدرتها على استعادة صورة مثالية من الماضي، بل بقدرتها على توسيع الديمقراطية وجعل تمثيل المواطنين أكثر عدالة، معتبرةً أن الذكرى الـ250 تمثّل فرصة لإعادة تعريف المشروع الأميركي.
أما “الإيكونوميست” فترى أن الولايات المتحدة ما تزال القوة الأولى عالمياً، لكنها تتحرك في عالم لم تعد تنفرد بقيادته، وأن التحدي الحقيقي لم يعد الحفاظ على القوة فحسب، بل الحفاظ على عناصر التفوق التي صنعت تلك القوة طوال العقود الماضية.
وهكذا، تلتقي الصحيفتان عند خلاصة واحدة: أميركا لم تفقد قوتها، لكنها تواجه اختباراً مزدوجاً؛ داخلياً يتعلق بمستقبل الديمقراطية والهوية الوطنية، وخارجياً يرتبط بالحفاظ على مكانتها في عالم يتجه نحو تعدد مراكز النفوذ، حيث لم يعد التفوق الأميركي أمراً مسلّماً به كما كان في السابق.


