أوروبا والناتو لا يزالان حجر الزاوية في أمن أميركا القومي ومستقبلها

لبنان الكبير

في خضم احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 ليوم الاستقلال، يتعين التذكير بأنه لما يقرب من ثلث عمر الدولة، ارتبطت واشنطن رسمياً بحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتزمت بموجب المعاهدة بالدفاع عنهم والتزموا هم بالدفاع عنها.

وفي تحليل نشرته مجلة “ناشيونال إنتريست” الأميركية، يؤكد الباحثان لوك كوفي، زميل أول في معهد هدسون، ودانيال كوتشيس، زميل أول في مركز أوروبا وأوراسيا التابع للمعهد نفسه، أن واشنطن لا تستطيع أن تفعل غير ذلك، “فما زالت أوروبا تمثل أهمية حيوية للمصالح الأميركية في عام 2026، تماماً كما كانت في ذروة الحرب الباردة. وسوف يكون وجود تحالف قوي عبر الأطلسي عاملاً أساسياً لضمان أن يرث أبناؤنا وأحفادنا عالماً تقوده الدول الغربية، لا عالماً قاتماً تقوده أنظمة سلطوية”.

ويقول كوفي وكوتشيس إن هيكل تحالفات أميركا وفي مقدمته الناتو ميزة استراتيجية بالغة الأهمية لا ينبغي التساهل معها أو التفريط فيها، “فالولايات المتحدة تمتلك حلفاء مقربين، بينما تمتلك الصين دولاً تدور في فلكها”.

الأهمية الاقتصادية

يؤكد الباحثان أن “أوروبا تتمتع بأهمية اقتصادية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، بما لا يسمح لواشنطن أن تتجاهلها. وفي حين قد يتجه المستقبل الاقتصادي الأميركي بصورة متزايدة نحو آسيا، لا تزال أميركا الشمالية وأوروبا معاً تمثلان نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما تُعدّ أوروبا واحدة من أهم أسواق الصادرات الأميركية”.

وبحسب بيانات غرفة التجارة الأميركية، تصدّر 48 ولاية أميركية من أصل 50 لأوروبا أكثر مما تصدره إلى الصين، وتبلغ صادرات الولايات المتحدة من السلع إلى أوروبا أربعة أمثال صادراتها للصين. كما تُعدّ أوروبا أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية في أميركا، إذ تمثل الشركات الأوروبية 56% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد بقيمة تتجاوز 3.5 تريليون دولار. كما تمتلك الدول الأوروبية من سندات الخزانة الأميركية أكثر بكثير من الصين، إذ تمتلك بريطانيا وحدها أكثر من 44% مما تمتلكه بكين.

الميزة الاستراتيجية

يقول كوفي وكوتشيس إن تحالفات الولايات المتحدة وشراكاتها في أوروبا تمنح صناع القرار الأميركيين خيارات أوسع في عالم يتسم بتزايد المخاطر، “فالقوات الأميركية المنتشرة في أوروبا إلى جانب شبكة الحلفاء والشركاء تمنح الولايات المتحدة ميزة استراتيجية تفتقر إليها كل من روسيا والصين”.

كما “تتيح شبكة الحلفاء والقواعد الأميركية المنتشرة في أوروبا لواشنطن القدرة على إنزال قوتها العسكرية في أنحاء العالم بطريقة كان من المستحيل تحقيقها لولا هذه الشبكة”. والمثال الأحدث على ذلك كان العمليات الأميركية ضد إيران، حيث اضطرت ثلاث قاذفات أميركية “بي 1 بي لانسر” كانت عائدة من مهام فوق إيران إلى الهبوط في قاعدة رامشتاين الجوية بألمانيا بعدما حال الضباب دون هبوطها في قاعدتها ببريطانيا.

أوكرانيا ومستقبل الأمن الأوروبي

يشير المحللان إلى الأهمية الخاصة التي تكتسبها أوروبا فيما يتعلق بأوكرانيا، “فالقوات المسلحة الأوكرانية تُعدّ اليوم من بين أكثر الجيوش خبرة في القتال على مستوى العالم، ومن المرجح أن تؤدي دوراً محورياً في منظومة الأمن الأوروبية خلال السنوات المقبلة”. ولا يقتصر الدور الجيوسياسي المتوقع لأوكرانيا على أوروبا وحدها، بل يمتد إلى مناطق أخرى، إذ “أظهرت التطورات الأخيرة قدرة أوكرانيا على الإسهام في تعزيز الأمن بمناطق مثل الشرق الأوسط، من خلال مساعدة دول الخليج والقوات الأميركية على تطوير قدراتها في مواجهة تهديدات المسيّرات الإيرانية”.

ويخلص المحللان إلى أن “الأمن عبر الأطلسي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي. فباعتبارات اقتصادية وسياسية واستراتيجية، لا تزال أوروبا تمثل أهمية كبيرة للولايات المتحدة. ومن ثم فإن إحياء حلف شمال الأطلسي وتعزيز قدراته لا يُعدّ تعبيراً عن الحنين إلى الماضي، بل استثماراً في الميزة الاستراتيجية التي دعمت ازدهار وقوة الأميركيين على مدى أجيال”.

المصدر: وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) / ناشيونال إنتريست

شارك المقال