من السودان إلى تونس مروراً بالضاحية: الحاجة إلى نموذج «رفيق الحريري»

أحمد عدنان

يطحن الاقتتال الأهلي شعب السودان واقتصادهم ومستقبلهم ووطنهم كله، وتندلع الاحتجاجات في تونس نتيجة الانهيارات المعيشية المروعة.

القاسم المشترك بين البلدين واضح؛ إذ يقتات قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، سياسياً وعسكرياً على شعار «محاربة الإخوان المسلمين»، وهو الشعار نفسه الذي اتكأ عليه الرئيس التونسي قيس سعيد لتصحيح المسار الذي أجراه في 25 يوليو 2021، ويسميه معارضوه «انقلاباً».

وما غاب عن حميدتي وسعيد ومن خلفهما، هو أن محاربة الإخوان ليست غاية بحد ذاتها؛ فليست هناك غاية أسمى للدول وقادتها من تحقيق الأمان والاستقرار والازدهار للمواطنين، وهو ما لم يفعلاه.

إن تداعيات الأوضاع في تونس وفي السودان ربما تنطلق في اتجاه معاكس، للأسف، وهو ارتفاع شعبية الإخوان المسلمين. فما ارتكبه حميدتي من جرائم حرب وضيعة، والجمود الفاشل الذي أغرق سعيد بلاده فيه، سيسهّلان على جماعة الإخوان ولادة جديدة واستقطاب الشارع المتعب والمكلوم.

الفكرة ببساطة: لا يمكن أن تحارب نموذج الإخوان بنموذج أسوأ؛ فحين تقدم للناس نموذج مجرم الحرب، أو نموذج الرئيس الذي يرى الحكم الرشيد وخلاص البلاد والعباد في احتكار السلطات بين يديه دون أن يفعل شيئاً آخر على الإطلاق، فأنت ترمي الناس في أحضان جماعات الإسلام السياسي.

ازدهار جماعة الإخوان ومن لفّ لفّها من فصائل الإسلام السياسي في دنيا العرب ارتبط عضوياً بفشل التنمية؛ والدليل على ذلك هو النجاح الجبار لدول الخليج في محاربة الإرهاب وتجفيف مستنقعات الإسلام السياسي، فالقصة ليست مجرد إرادة سياسية أو كفاءة أمنية، بل هي في الأساس قصة نجاح تنموية منقطعة النظير. المواجهة الأمنية والعسكرية تكسب معركة، لكن التنمية تكسب الحرب.

نموذج لبنان – للمفارقة – يكشف صوابية الرؤية؛ فبعد حرب أهلية طاحنة، ظهر نموذج «رفيق الحريري»، وهو في الأساس نموذج وطني – تنموي – عربي – ليبرالي، بدعم سعودي حيوي وعضوي وفعال، وكانت نتيجته نجاة سنة لبنان من وحول الإسلام السياسي والعسكرة. فعلى سبيل المثال، في انتخابات 2005 كانت حصة الإسلام السياسي ضمن النواب صفراً، وفي انتخابات 2009 نالت الجماعة الإسلامية مقعداً واحداً بفضل تحالف مقصود مغطى إقليمياً، وفي انتخابات 2018 لم تنل الجماعة أي مقعد، واستردت مقعدها في انتخابات 2022 من أصل 27 مقعداً سنياً، وهي نسبة لا تُذكر.

ورغم مرور 21 سنة على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ما زالت تداعيات هذه التجربة الناجحة فعالة في المجتمع السني اللبناني، لكن هذه التجربة تحت الاختبار الجدي في الانتخابات المقبلة عام 2028 بسبب الفراغ السياسي السني وبعض الظروف الإقليمية والدولية. لكن المعضلة الأساسية هي توقف عجلة التنمية منذ انتخاب الرئيس ميشال عون في 2016، ثم تداعيات الانهيارات المالية والاقتصادية التي بدأت في 2019، وما زالت أثقالها جاثمة على صدور اللبنانيين.

نجا سنة لبنان من العسكرة والأسلمة بفضل مشروع تنموي – وطني – عربي – ليبرالي ناجح كان عنوانه «رفيق الحريري»، وما نجح في لبنان يمكن أن يمتد إلى السودان وإلى تونس، وما نجح داخل الطائفة السنية في لبنان يمكن أن ينجح كذلك داخل الطائفة الشيعية، في ظل الحديث عن خيارات بديلة لميليشيا حزب الله وحركة أمل.

لا داعي لإعادة اختراع العجلة؛ تنتعش فصائل الإسلام السياسي – وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين – على هامش قصص الفشل التنموي، وتتضاءل أو تتلاشى في قلب قصص النجاح. فعلى من يدعم حميدتي أن يفكر بمحاربة إخوان السودان برفيق حريري سوداني، كما يجب إنعاش مسيرة التنمية التونسية برفيق حريري تونسي، وخروج شيعة لبنان من الجحيم الإيراني لن يكون سوى بمفتاح عربي يحمله رفيق الحريري الشيعي، كما أن استمرار سنة لبنان في رياض العروبة والاعتدال أساسه استمرار فكرة رفيق الحريري، أياً كان اسم من يعتنقها.

فكرة «رفيق الحريري» ببساطة هي المشروع التنموي الوطني المنسجم مع العرب والغرب بشبكة مصالح فعالة ومتشعبة؛ يستبدل التعبئة الأيديولوجية بتقديم فرص اقتصادية، ويستبدل خطاب المظلومية بمشروع دولة، ويواجه الإسلام السياسي لا بالقمع وحده، بل بمعالجة الظروف الاجتماعية التي تمنحه الشرعية.

حميدتي وقيس سعيد، رغم اختلاف الرجلين جذرياً في الوسائل والظروف، يقدمان مثالين على أن معاداة الإسلام السياسي لا تتحول تلقائياً إلى مشروع دولة ناجح؛ بل إن المفارقة أن النموذجين اللذين يرفعان راية مكافحة الإسلام السياسي قد ينتهيان، بسبب جرائم الأول وفشل الثاني، إلى إعادة الإسلام السياسي إلى الحياة ومنحه فرصة جديدة لاختطاف الشارع.

نموذج الميليشيات على غرار الدعم السريع وزعيمها حميدتي، ونموذج السيطرة والجمود الذي يعبر عنه قيس سعيد أو “ميشال عون التونسي”، عواقبه الأكيدة والقريبة والدائمة ليست محمودة على الإطلاق.

شارك المقال