يعود اليوم المبعوث الفرنسي الخاص جان ايف لودريان إلى بيروت من دون توقعات كبيرة، فيما دخل لبنان العد العكسي لنهاية ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وسط اضطراب وخوف من مصير النقد في البلد، تحديداً في ظل رفض نواب الحاكم الأربعة وبالأخص النائب الأول وسيم منصوري، تولي المسؤولية من دون تغطية سياسية وتشريعية، وهذا كان فحوى لقائهم أمس مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي طمأنهم الى أن الحكومة ستطلب من مجلس النواب اصدار التشريعات والقوانين التي يطلبونها، إلا أنه ليست هناك أي ضمانة أن المجلس سيقر هذه القوانين، بل قد لا يستطيع عقد جلسة، بسبب الخلاف القائم أساساً حول مشروعية الجلسات، اذ يرفض عدد كبير من النواب جلسات التشريع ويعتبرون أن المجلس هيئة ناخبة فقط.
وفي الشأن المالي أيضاً، شرعت الحكومة في جلسات مناقشة مشروع موازنة العام الجاري، فيما يبدو أن الخلافات بين أركانها بدأت تخرج إلى العلن وتفضح “القلوب المليانة” بين وزرائها، بحيث وصف وزير المهجرين عصام شرف الدين وزير الخارجية عبد الله بو حبيب بـ “نعجة” الاتحاد الأوروبي، بعد أن كان الأخير وصفه بـ “الحشري” في مقابلة تلفزيونية. وسبق رد شرف الدين ارساله رسالة شديدة اللهجة ازاء بو حبيب على مجموعة “واتساب” خاصة بالوزراء، رداً على رسالة صوتية سجلها بو حبيب الأسبوع الماضي على المجموعة نفسها بالاضافة إلى المقابلة المتلفزة، كما توعد بافتعال مشكلة في جلسة الحكومة وهذا ما كاد أن يحصل في جلسة الأمس لولا تدارك الرئيس ميقاتي الموضوع وسحبه من التداول.
وليس خافياً أن موضوع اللاجئين السوريين وطريقة تعاطي شرف الدين مع الموضوع وعدم الالتزام بقرارات رئيس الحكومة، تسبب بخلاف كبير بين الرجلين وصل إلى حد تبادل الاتهامات علناً، إلى أن هدأت الأمور نسبياً بعد مساعٍ ووساطات قام بها المدير العام السابق للأمن العام اللواء المتقاعد عباس ابراهيم، لكن يبدو أن “حليمة عادت لعادتها القديمة” فشرف الدين يعتبر نفسه “الوزير الأول” في موضوع اللاجئين السوريين ولا يريد حتى إعطاء أي دور لوزيري الخارجية بو حبيب والشؤون الاجتماعية هكتور حجار أو غيرهما.
إلى ذلك، أصدر قاضي العجلة الاداري كارل عيراني قراراً بإلزام وزارة المالية تسليم النائب سامي الجميّل التقرير المبدئي المتعلق بالتدقيق الجنائي لحسابات وأنشطة مصرف لبنان المعدّ من شركة “ألفاريز آند مارسال” وذلك بصورة فورية ومن دون إبطاء.
وفيما يتصدر الاستحقاق المالي والنقدي الأولويات لدى القوى السياسية على حساب الاستحقاق الرئاسي، تكرّم السفارة السعودية يوم غد الأربعاء مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، بحضور عدد من النواب.
ومن المقرر أن يعود لودريان إلى بيروت اليوم، في زيارة تأتي عقب اجتماع الخماسية الدولية في الدوحة، الذي نعى بيانها فعلياً المبادرة الفرنسية السابقة. ولا يتوقع من زيارة لودريان تحقيق أي خرق في الشأن الرئاسي، وسيحاول اقناع الثنائي الشيعي بالقبول بمناقشة فكرة الخيار الثالث، الذي تطلبه المعارضة.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن الممثل الشخصي للرئيس الفرنسي لشؤون لبنان جان إيف لودريان سيزور لبنان في الفترة من 25 إلى 27 تموز الجاري. وأشار في بيان، إلى أن “هذه الزيارة الثانية إلى لبنان تأتي في إطار مهمته في التسهيل والوساطة، بهدف خلق الظروف المؤاتية للوصول إلى حل توافقي لجميع الأطراف المعنية بانتخاب رئيس الجمهورية”، مشدداً على أن “هذه خطوة أساسية لاعادة تفعيل المؤسسات الدستورية التي يحتاجها لبنان بصورة عاجلة للمضي قدماً نحو الانتعاش”.
ولفت المتحدث إلى أن لودريان، وفي زيارته الأولى من 21 إلى 24 حزيران الماضي، التقى بممثلي جميع التشكيلات السياسية الممثلة في البرلمان اللبناني، كما أجرى مباحثات مع السلطات السياسية والدينية والعسكرية. ثم زار المملكة العربية السعودية من 10 إلى 12 تموز، فقطر حيث شارك في اجتماع حول لبنان مع السعودية وقطر والولايات المتحدة الأميركية ومصر في 17 تموز، قبل أن يعود إلى المملكة العربية السعودية مرة أخرى في 18 تموز.
وعشية عودة لودريان، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة السفيرة الفرنسية آن غريو، التي أعلنت أنها “زيارة وداعية لدولة الرئيس قمنا خلالها بجولة أفق حول السنوات الثلاث الأخيرة، والتعاون الفرنسي اللبناني، وتناولنا أيضاً الأوضاع في لبنان عشية زيارة الموفد الفرنسي جان ايف لودريان، وكان لقاء بناء”. وقالت رداً على سؤال: “سأتولى منصب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية وسأستمر في وظيفتي الجديدة في الاهتمام أيضاً بلبنان”.
وكشف عضو كتلة “الجمهورية القوية” النائب فادي كرم عن معلومات تفيد بأن الموفد الفرنسي يحمل جديداً رئاسياً سيطرحه في زيارته اليوم بالاستناد الى مجريات اجتماع الدوحة. وحول الكلام عن بحث “التيار الوطني الحر” عن مرشح ثالث بعد طيّ صفحة جهاد أزعور، قال كرم: “الأجواء التي تصلنا من التيار تفيد بأنه مستمر بالتقاطع على أزعور”.
في المقابل، شدد عضو المجلس المركزي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق على “أننا حرصاء على التوافق، لأن الأولوية لدى حزب الله وقف الإنهيار والتدهور وإنقاذ البلد، ولكن أولوية الطرف الآخر، توظيف الانهيار واستثماره لأهداف سياسية”. وأشار الى أن “لبنان على عتبة أزمة مالية خطيرة، وهناك خشية حقيقية من انفلات سعر الدولار، ومسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا وعلى الجميع التصدي لإنقاذ البلد من الأزمة القادمة”، معتبراً أن “المسؤولية بالدرجة الأولى تقع على عاتق الحكومة، وعليها أن تتخذ الاجراءات اللازمة لإنقاذ البلد من أزمة مالية جديدة، لأن الناس ما عادت تحتمل الأزمات”.
بالعودة إلى الاستحقاق المالي، غرّد رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” النائب تيمور جنبلاط عبر حسابه على “تويتر”، قائلاً: “الحد الأدنى من منطق حماية ما تبقى من مؤسسات يقتضي تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان علّنا نتفادى مخاطر نقدية ومالية تزيد معاناة المواطن اللبناني، ومن واجب الحكومة إتمام ذلك، وعلى القوى السياسية تسهيل الأمر بعيداً من منطق المحاصصة والفيتوات المتبادلة”.
وفي السياق نفسه، بحث الرئيس ميقاتي مع عضو “اللقاء الديموقراطي” النائب بلال عبد الله، في موضوع الفراغ في حاكميه مصرف لبنان. وقال عبد الله: “أكدنا على موقفا كلقاء ديموقراطي أننا مع تعيين حاكم بغض النظر عن الاجتهادات الدستورية لبعض الكتل التي نحترمها بالتأكيد، ولكن اذا كانت هناك صعوبة في التعيين فليتحمل نائب الحاكم المسؤولية، لأنه ممنوع الفراغ في هذه المؤسسة، فهو فراغ قاتل، سينعكس سلباً على كل الشعب اللبناني، إن كان بالنسبة الى سعر الصرف أو التقديمات أو بالضياع الكامل. الاستقرار النقدي بالحد الأدنى مطلوب وهذه مسؤولية الجميع”.


