الديموقراطية هوية بلا دين ولا معتقد، بل هي مفهوم يغزو المجتمعات ويستوحي مصطلحاً واحداً هو “حكم الشعب لنفسه”. والديموقراطية تشمل حق الشعب في أرضه وتقرير مصيره في وطنه، وهي مرتبطة بحقوق المواطنية والعدالة الاجتماعية والتنمية والأمن الاجتماعي والسياسي. الوضع السياسي اللبناني هو حالة ناقصة للديموقراطية الصحيحة، التي تعني أنّ الشعب هو مصدر السلطات، فلا تكون الهيئة الحاكمة شرعية إلّا إذا كانت ثمرة الارادة الحرّة للنُخَب السياسية في المجتمع. من هنا يمكن القول إن السيادة هي للشعب، كل الشعب، وليس لفرد أو لطبقة، وبالتالي كل القرارات يشرّعها الشعب، وتنبع من مصلحته. يقول الرئيس سليم الحص في هذا الصدد: “في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية”. لذلك نسأل في اليوم الدولي للديموقراطية الذي يحتقل به سنوياً في 15 أيلول: هل نعتبر الديموقراطية اللبنانية اليوم مخطوفة؟ غائبة؟ كيف تتحقق؟ ومن يحققها؟
اسطفان: ديموقراطية لبنان مخطوفة من حكّامها
أكد عضو كتلة “الجمهورية القوية” النائب الياس اسطفان لـ”لبنان الكبير” أن “الديموقراطية هي اساس نجاح أي دولة وقيام مؤسساتها، ونحن في بلد ديموقراطي هدف مواطنيه الكفاح حتى الرمق الأخير والسعي الى الحفاظ عليه”، مشيراً الى أن “المنظومة اللبنانية تتصرف عكس مصطلح الديموقراطية”، واستشهد بانتهاك تطبيق الدستور وخلق أساطير حوارية لتعيين رئيس للجمهورية.
وخصّ اسطفان في هذا اليوم الجيل الجديد بنداء انساني، قائلاً: “تحلّوا بالأمل والصبر، فأنتم الجيل الجديد الذي نعتمد عليه… ولولا وجودكم لما كان لبنان محور اهتمامنا”.
ودعا الى ايصال رئيس بطريقة ديموقراطية الى سدة الرئاسة، مذكراً بأنهم أول من تحدثوا عن “مواصفات يحلم بها أي ربّان هدفه قيادة السفينة بتوازن”.
انتهاك حقوق المرأة يثبت فقدان الديموقراطية
وأجمعت فئة من العاملين والطلاب على أن الديموقراطية اللبنانية ليست مطبّقة كما ينبغي، وأن التمثيل النسائي يفتقد في البرلمان. وعلى الصعيد النسوي تقول احدى الطالبات الجامعيات: “لا نملك كوتا مقاعد ولوائح لتمثيل النساء وهذا انتهاك مباشر لحقوق المرأة الذي يثبت فقدان الديموقراطية، كما أن اشراك الفئات المهمشة مختف كلياً بالاضافة الى أن الدوائر اللبنانية مقسّمة بهدف تهميش هذه الفئات واستبعادها”.
وعلى الصعيد المهني، تشدد على أن “الديموقراطية تقسّم حسب الطوائف والانتماءات السياسية والاصطفافات الحزبية، وأن تطبيقها منتهك من المافيا وبعدها مباشرة ديموقراطية اللباس والتفكير والسباحة في المكان المناسب. وخلاف ذلك، يفترض أن تكون الديموقراطية نسبية، فهي تغبن الشريحة المتعلمة من الناس، ونحن مع هذا المصطلح ولكن بحدود، فالافراط في الديموقراطية مستحيل لأنها مسيرة وعددية ولطالما اختبرناها في لبنان وأثبتت لمرات عديدة أنها بلا جدوى. الحل في الديموقراطية هو وضع مجموعات مثقفة وأخرى فلاحة وأخرى عالمة وتقسم ليخرج من كل واحدة فيها نموذج. كذلك المجلس النيابي اليوم يفتقد الفئات غير المتعلمة ولذلك يصبح دمج الآراء يسعى الى انتاج مجتمع متكامل نلغي فيه الطبقية”.
“فلنخلع عباءة التبعية ونرتدي عباءة الديموقراطية”
جسّد الدكتور في الجامعة اللبنانية الدولية عبدالكريم العبد واقع لبنان الذي يفتقر الى الديموقراطية بأنواعها كافة، نسبة الى أننا نعيش في ظل حكم ديكتاتوري يتحكم بمفاصل الدولة ومصاف الحياة، مؤكداً أن هذا الأسلوب السلطوي بدأ منذ الحرب الأهلية لحظة الوجود السوري آنذاك، “هنا زالت الديموقراطية اللبنانية”. وأوضح مفاعيل تحقيق الديموقراطية عبر اللامركزية الادارية وحرية التعبير والرأي والاعلام، بالاضافة الى كف يد السلطة عن الشعب والوسائل الاعلامية والرأي العام.
وأشار العبد الى ضرورة إبعاد الأحزاب عن الرأي العام باعتبار “أننا اذا فتنا على الضاحية الجنوبية مثلاً وأبدينا رأينا يصبح دمنا مهدوراً، كذلك الأشرفية وغيرها من المناطق”، موجهاً نصيحة الى الجيل القادم بـ “الابتعاد عن الاحزاب أجمع ومفاصل الدولة أيضاً وأن يحكّم خبراته عوضاً عن الواسطة”. ولفت الى أن “عائلاتنا حاولت مراراً وتكراراً أن تتماشى مع الأحزاب والنتيجة كما نراها اليوم فلنخلع عباءة التبعية ولنرتدِ عباءة الديموقراطية اللبنانية”.
تعددت الآراء اللبنانية وأثبتت حضارتها الايجابية التي تشهد على مساهمة الشعوب في اعلاء الديموقراطية على السلطوية، وأخفقت حسابات الأحزاب في اضاءة نفق التعبير والغاء التبعية لكن الأجيال القادمة أقوى وأذكى من السير خلف ضوضاء الحكام. لذلك، علينا جعل ثقافة الاختلاف مهارة مكتسبة، وتعميم فكرة تقبّل الآخر بالممارسة العملية، وإعطاء الرأي الآخر المساحة نفسها التي لرأينا، فتلاقي الأفكار المتباينة ينتج دائماً إثراءً انسانياً ووطنياً.


