عندما تحول “سفاح الجيزة” الى “سفاحك المفضل”! 

رحاب ضاهر

منذ بدء عرض مسلسل “سفاح الجيزة” على منصة “شاهد في اي بي”، تخوف الكثير من النقاد والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، من أن يُحول هذا المسلسل المأخوذ من قصة حقيقية لقاتل متسلسل، الى تلميع لصورة السفاح وتحويله الى بطل “قومي”، في نظر المشاهدين، أو أن يحظى بتعاطف من الجمهور وخصوصاً أن المسلسل حاول أن يظهر السفاح مريضاً نفسياً “سايكوبتي” على الرغم من أنه في القصة الحقيقية لم تكن لديه دوافع نفسية لارتكاب جرائمه، بل كان القتل يتم بدافع السرقة والنصب، ولم يجد الطب النفسي في شخصيته أي خلل نفسي، ولكن صنّاع العمل أرادوا ركوب موجة “الدراما النفسية”، وأوجدوا عاملاً نفسياً لتحويل القاتل الى “سايكو”، عبر علاقته الملتبسة بوالدته التي قتلت والده وتحمّله دائماً مسؤولية دخولها السجن، ما جعل البعض ينظر الى السفاح على أنه ضحية طفولة. ويبدو أن المخاوف من تكريس صورة القاتل تبنتها ربما بطريقة غير مقصودة منصة “شاهد في اي بي”، التي عرض العمل عليها.

المنصة ومن أجل ركوب موجة “الترند” لم تتوانى عن الاعلان عن موعد حلقة “بودكاست” مع أبطال العمل عبر تحويل السفاح جابر الى نجم تلفزيوني يتم الاتصال به من أجل اجراء مقابلة، وشوّقت المتابعين بعبارة “تابع سفاحك المفضل”، بطريقة أقل ما يمكن وصفها بأنها مهزلة واستخفاف بالجريمة وتمجيد القاتل وتسهيل فكرة الاجرام ليصبح القاتل نجماً مفضلاً، ومحبوباً لدى المشاهدين. ولم يكن ينقص “شاهد” سوى اطلاق صفحة “محبي سفاح الجيزة” أو “التراس سفاح الجيزة”، وكأن المسلسل لا يروي قصص ضحايا حقيقيين لا تزال عائلاتهم تحت صدمة الطريقة البشعة التي ذبحوا فيها على يد “السفاح المفصل”.

أحمد فهمي أداء حيادي

وبالعودة الى نهاية مسلسل “سفاح الجيزة” فقد جاءت مخيبة للآمال، ولا ترقى الى مستوى الحلقات الأولى من العمل، اذ تعتبر الحلقة الأخيرة الأضعف اخراجياً ولناحية الأحداث والسيناريو، اضافة الى النهاية الغامضة والمفتوحة والتي تمهد لموسم ثانٍ من العمل. وبالنظر الى أداء الأبطال وعلى رأسهم شخصية السفاح التي أداها الممثل أحمد فهمي، فلا يمكن الجزم بأنه أجاد تقديم الدور ببراعة ولكن يمكن وصف أدائه بالحيادي، فأحياناً كان يلمع في بعض المشاهد وفي البعض الآخر كان باهتاً ومتكلفاً، وخصوصاً لناحية نبرة الصوت المصطنعة التي استخدمها ليعطي انطباعاً بأنه شخص هادئ ومسالم، وحاول جاهداً أن يقنع المشاهد ببعض الانفعالات التي جاءت مضحكة وهزلية. لكن يحسب له أنه استطاع الخروج من قالب الكوميديا الذي اشتهر به، ليؤسس مستقبلاً لنوع آخر من الأدوار الدرامية.

باسم سمرة يطيح بأمير كرارة

من ميزات مسلسل “سفاح الجيزة” أنه لم يعتمد على وسامة الأبطال، وهذا يحسب للمخرج هادي الباجوري الذي ابتعد في اختياره للممثلين عن “جانات” السينما كأحمد عز وكريم عبد العزيز، فجاء اختيار أحمد فهمي مثالياً من ناحية الشكل لدور السفاح الذي يشبه أبناء الطبقة الشعبية في ملامحهم وطريقة ملابسهم، ولا يملك العضلات المنحوتة والشعر المصفف والابتسامة “المثيرة”. والأمر نفسه ينطبق على الممثل باسم سمرة، الذي أدى دور الضابط حازم، فاختياره نسف وأطاح صورة الضابط الوسيم التي كرّسها مؤخراً الممثل أمير كرارة، ويكفي القاء نظرة على تعليقات المشاهدين على مواقع التواصل الاجتماعي للتأكيد أن باسم سمرة يشبه الضباط الحقيقيين لناحية الشكل، وإن لم يقدم أفضل ما لديه في هذا العمل.

ركين سعد نجمة الأدوار المعقدة

واذا لم يكن باسم سمرة وأحمد فهمي في أفضل حالاتهما لناحية الأداء في العمل، الا أن الأمر مختلف مع الفنانة الأردنية ركين سعد التي قامت بدور زينة شقيقة زوجة سفاح الجيزة.

ركين نوع فريد من الممثلات القادرات على التلون، وتطويع ملامحها لخدمة الدور، ويمكن التأكيد أنها نجمة الأدوار المعقدة، فمن يشاهد أدوارها منذ بداية ظهورها في الدراما المصرية في مسلسل “واحة الغروب” بدور مليكة، ثم دورها في مسلسل “بالحجم العائلي” ودور نوف في مسلسل “مدرسة الروابي” وأخيراً “سفاح الجيزة” يدرك مدى موهبتها وأنها لا يمكن أن تمر مرور الكرام في أي دور تقدمه، ولعل من أجمل ما قدمت في “سفاح الجيزة” وأصعبه “البلوت تويست” بينها وبين محيي والتنقل بين انفعالات الحب والكراهية والفرح والحزن وبين الحقيقة والخيال.

حنان يوسف “جوكر” المسلسل 

من مفارقات الأعمال الدرامية دائماً أن تخطف الأنظار من الشخصية الرئيسة في العمل، شخصية ثانوية وهذا ما حصل مع الفنانة القديرة حنان يوسف التي جسدت دور والدة السفاح، بحيث جاء الاجماع على أنها “جوكر” العمل، بتجسيدها دوراً معقداً للأم القاسية التي تعرضت للتعنيف في الماضي على يد زوجها، وتسببت بتحول ابنها الى سفاح. حنان يوسف قدمت دوراً يجمع كل التناقضات، فالكوميديا كانت حاضرة بطريقة مواربة في الشخصية وفي الوقت نفسه القسوة والحنان والضعف وعاطفة الأمومة الملتبسة لديها. وهذا الدور قد يكون “وش السعد” على حنان يوسف التي قدمت لسنوات أدواراً ثانوية، ولكن بعد “سفاح الجيزة” من المؤكد أنها ستكون موجودة في أعمال كثيرة.

أما بالنسبة الى داليا شوقي التي أثارت موجة سخرية بسبب المشاهد التي تعرف فيها حقيقة زوجها السفاح وعلاقته بشقيقتها، فكان يمكن أن يمر دورها مرور الكرام من دون أن تتعرض لهذا الكم من الانتقادات، الا أن انفعالاتها “البهلوانية” أطاحت بها على الرغم من أنها كانت تراهن على هذا المشهد تحديداً من خلال تصريح لها، وربما كانت تعتبره “مستر سين” أو أعلى مشهد في المسلسل، الا أن صداه لدى الجمهور جاء عكس ما توقعت تماماً. وفي “مكابرة” منها لم تلتزم هي و”عائلتها” الصمت، بل أصرت ووالدتها وصهرها زوج شقيقتها الممثل محمد فراج على “استحقار” رأي الجمهور واعتبار أن “بنتهم” وصلت الى قمة الأداء وهذا ما أضر بداليا، وإن كان الخطأ يقع على المخرج هادي الباجوري الذي وافق على عرض المشهد وعدم توجيه الممثلة.

بالمجمل، يعتبر “سفاح الجيزة” من الأعمال الجيدة التي تستحق المشاهدة، وإن كان يمكن أن يخرج بصورة أفضل لولا المنحى التجاري الذي لجأ اليه صنّاع العمل واستثمار النجاح لعمل جزء ثانٍ لم تعرف تفاصيله بعد، ونهايته مبتورة لم تظهر تحقيقات النيابة مع جابر ومصير زينة.

شارك المقال