الجنوب… سباق بين الحرب والـ1701!

جورج حايك
جنوب لبنان (الجيش اللبناني)

يبدو الجنوب اللبناني منذ 7 تشرين الأول الفائت كأنه جزيرة منفصلة عن لبنان، إذ أدخله “حزب الله” في آتون الحرب متجاوزاً القرار 1701، نصرة للفلسطينيين في قطاع غزة، ما جعل الجيش الاسرائيلي مستنفراً على الحدود، ويتبادل العمليات الحربية يومياً مع “الحزب” وبعض الفصائل الفلسطينية، والمفارقة أن المعارك تتصعّد يوماً بعد يوم، وتأخذ منحى خطيراً، يُهدد بإنفلات الأمور، بحيث بات المشهد جنوباً في سباق بين الحرب أو تطبيق القرار الدولي 1701!

من الواضح أن لا ضمانات في استمرار الوضع في إطار قواعد الاشتباك، بدليل أن المفاوضات قائمة على قدم وساق بين إيران والولايات المتحدة في جنيف وعمان وقطر، لمنع توسّع الحرب، وآخر المبادرات كانت زيارة مستعجلة للموفد الأميركي آموس هوكشتاين إلى اسرائيل أمس، في محاولة للجم التصعيد جنوباً، وخصوصاً أن هناك ازدياداً في عدد العمليات العسكرية بين اسرائيل و”الحزب”، وبات هناك استخدام لأسلحة نوعيّة وخسائر بشرية أكبر من الطرفين سواء كانوا عسكريين أو مدنيين.

إذاً الوضع خطير جداً ويعتبر الباحث في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي أن “الحرب إذا وقعت فستكون بقرار من أحد الطرفين: اسرائيل أو حزب الله عبر تجاوز الخطوط الحمر، على الرغم من أن الطرفين لا يزالان يلتزمان بقواعد الاشتباك حتى الساعة، إذ تنحصر ضرباتهما بالأهداف العسكرية أو المناطق الزراعية المفتوحة، إلا أن الخطر يكمن في توجيه ضربات من كل طرف إلى العمقين الاسرائيلي واللبناني”.

لكن الطريق الوحيد لوقف الحرب الدائرة على الحدود ومنع توسعها يكمن في تطبيق القرار 1701 الذي لم يطبّق منذ لحظة صدوره، وما لم يطبّق اليوم وفوراً فيعني أن الحرب جنوباً ستتواصل مع انعكاساتها السلبية على كل شيئ في لبنان ومع مخاطر توسعها إلى حرب شاملة. ويوضح قهوجي أن “الأمور في حال تصعّدت على نحو متدرج إلى حرب، هذا يعني نهاية القرار 1701، وعلينا أن ننتظر حتى نهاية هذه الحرب، ليصدر قرار دولي جديد لا يمكن معرفة تفاصيله إلا بالشكل الذي ستنتهي فيه هذه الحرب وحجم الدمار ووضع الطرفين”، الا أنه يلفت الى أن “القرار الدولي الجديد الذي سيصدر عن مجلس الأمن، لا بد من أن يتضمن ما جاء في القرار 1701 انما بنسخة جديدة وربما مع بند الفصل السابع حتى يكون أكثر فعالية ونجاحاً من القرار 1701. وعلينا التذكير بأن اليونيفيل انتشرت في الجنوب بناء على القرار 425، وتم تعديل صلاحياتها وتوسيع مهامها مع صدور القرار 1701، ولا شك في أن القرار الجديد سيتضمن نشر قوة دولية تفرض شروطها وتمنح ضمانات للدول التي ستشارك فيها، إلا أن هذا يتوقّف على وضعيّة الطرفين المتنازعين، والجهة التي ستطلب وقف إطلاق النار، وتكون مستعدة لتقديم تنازلات أكثر، ومن المتوقع أن يتماشى أي قرار جديد مع المرحلة المستقبلية في جنوب لبنان. وكل ذلك لا يزال من الفرضيات إذا توسّعت الحرب”.

من جهتها، تتخوّف مصادر في المعارضة من أداء “حزب الله” الذي يتبِّع أسلوب حافة الهاوية، وفي حال وقع فيها كما حصل في تموز 2006 ومع “حماس” في 7 تشرين الأول الماضي سيلجأ إلى سياسة الحدّ من الخسائر بهدف تجاوز اللحظة ومواصلة مشروعه الممانع. فـ”الحزب” يستغل الضعف الدولي ويوظِّفه لمصلحته، وعملية قتل الجندي الايرلندي التابع لـ “اليونيفيل” وإخلاء سبيل قاتله أبرز دليل على ذلك. وتشير مصادر المعارضة الى أن “أقل ما كان يمكن أن تفعله القوات الدولية أن تهدِّد بالانسحاب في حال عدم العودة عن القرار وإعادة توقيف القاتل”، معتبرة أن “توقيت إطلاق قاتل الجندي الايرلندي ليس بريئاً بل هو رسالة من الممانعة إلى المجتمع الدولي في اللحظة التي يعاد فيها التركيز على القرار 1701 بأن مصير جنودكم في لبنان سيكون كمصير الجندي الايرلندي”.

لا يكتفي “حزب الله” باستجرار الحرب، ولا بإمساكه بقرار الحرب، ولا بتفرده بفتح حروب تؤدي إلى دمار ما بعده دمار، إنما يريد من الآخر المختلف معه أن يصطفّ خلفه ويضع نفسه بتصرفه، إذ إن دوره، بمفهومه، ليس شريكاً ولا مقرِّراً، إنما يقتصر على معالجة مخلّفات الكوارث التي تسبّب بها “الحزب”، وإذا لم يفعل فالويل والثبور… هذا هو واقع الحال للأسف.

وترى مصادر المعارضة أنه لا يكفي القيام بعملية ناجحة وبطولية، إنما يجب التفكير في اليوم التالي، أي في ردّ الفعل، وعدم التفكير في ردّ الفعل الذي سيرتد على الأبرياء هو جريمة. وتتساءل “هل الفلسطيني في غزة يعيش انتصار 7 تشرين؟ القوة لا تواجه فقط بقوة أخرى، إنما بقوة تؤدي إلى نتيجة، فبماذا استفاد الفلسطيني اليوم من الحرب سوى مواجهة الفقر والموت والخراب والدمار؟ والشيئ بالشيئ نفسه يذكر بماذا يستفيد الشعب اللبناني إذا استُخدمت أراضي الجنوب في عملية بطولية أدت إلى قتل 300 جندي إسرائيلي واستجرت في المقابل الدمار والخراب للبنان وموت آلاف اللبنانيين؟”.

لهذا السبب تسعى المعارضة بكل مكوّناتها إلى بذل جهود كبيرة في المحافل الدولية وخصوصاً لدى عواصم القرار لمنع وقوع الحرب، علماً أن هناك مصلحة دولية عموماً وأميركية خصوصاً لتجنّب توسّع الحرب، وبالتالي تعمل المعارضة على تفعيل القرار وانسحاب “الحزب” والفصائل الفلسطينينة من الجنوب وتسليم الحدود للجيش اللبناني والقوى الدوليّة.

ما يفعله “الحزب” في الجنوب اليوم يمكن أن يجرّ لبنان الى إبادة ومجرّد وجوده يشكّل ذريعة لإسرائيل في حال أرادت توسيع نطاق الحرب مستفيدة من الدعم الدولي غير المسبوق لها، وهذا من دون إسقاط عاملين أساسيين: الأول أنّ “الحزب” ذراع إيرانية ودوره يصبّ في خدمة الاستراتيجية الايرانية في المنطقة، والثاني أنّ لبنان سيدمَّر كما دُمِّر في العام 2006، وأي كلام آخر لا قيمة له.

وتحذّر مصادر المعارضة من معادلة الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله بترك تطوّر الحرب للميدان، وهذا يعني أن العمليات العسكرية ممكن في أي ساعة أن تخرج عن حدودها في عملية نوعية من هذا الفريق أو ذاك وتؤدي إلى الحرب الشاملة. ولا يجوز استبعاد ميول حكومة الحرب الاسرائيلية إلى شن الحرب المفتوحة والشاملة في وجه “الحزب” بهدف إزالة الخطر على حدودها بالتزامن مع إزالة الخطر من داخل كيانها، وخصوصاً بعدما شعرت بخطر وجودي غير مسبوق منذ قيام الدولة الاسرائيلية، وفي لحظة دعم خارجي واستنفار داخلي لن يتكرّر.

وحده القرار 1701، وفق مصادر المعارضة، يمكن أن يمنع الكأس المرة عن لبنان، علماً أنه لم يطبّق حتى الآن، إذ فور انتهاء الحرب في 14 آب 2006 استعاد “الحزب” ترسانته العسكرية جنوبي الليطاني خلافاً للقرار الدولي، فيما كان المطلوب من المجتمع الدولي والحكومة والقوى السياسية أن تحرص على التطبيق الحرفي لهذا القرار، وهذا لا يعني أنّ القرار ليس جيّداً، إنما على العكس، ولكن كان المطلوب تطبيقه بمنع “الحزب” من الدخول إلى جنوبي الليطاني والذي لو طبِّق لما كان الشعب اللبناني يتخوّف من حرب تموز جديدة اليوم.

ولبنان البلد الوحيد الذي يبدو الأكثر تأثراً بحرب غزة، فيما سوريا والأردن ومصر بقيت مستقرة لأن قرار الحرب والسلم في يد الدولة هناك، لا في يد فصيل مسلّح تابع لإيران، والمؤسف أن اقحام “الحزب” للبنان في الحرب أدّى إلى تجميد السياحة الشريان الوحيد الذي كان لا يزال لبنان يستفيد منه ماليّاً واقتصاديّاً في ظلّ الانهيار غير المسبوق الذي يعيشه البلد.

المشهد الحالي في لبنان هو سباق بين الحرب وتطبيق القرار 1701، فالناس خائفة والنزوح من الجنوب يتواصل قدماً وحركة القادمين من الخارج توقفّت والانكماش على أشده، فيما “الحزب” يصرّ على مفاقمة تعاسة اللبنانيين من خلال ربط مصيرهم بمصير حركة “حماس” والحسابات الايرانية الاستراتيجية في المنطقة.

ختاماً، يعيش أكثر من نصف الشعب اللبناني تحت خط الفقر، وفئة من الناس تموت بسبب عدم قدرتها على دخول المستشفيات، وفئة أخرى لم يعد باستطاعتها مواصلة تعليم أولادها، وفئة ثالثة تعيش من قلة الموت، والجمعيات والمؤسسات والمنظمات التي تتكفّل بالمساعدات منهكة بسبب حجم الأزمة وقلّة الامكانات.

فالشعب برمته ومن دون استثناء “عايف حالو” من وضع معيشي “زفت” وأزمة من دون أفق، ولن يكون مستعدّاً لتقبُّل حرب تُضاعف مأساته وتُفاقم تعاسته.

شارك المقال