لم أكن يوماً صحافياً يميل إلى “شخصنة” المقالات، بل أتبع المعايير المهنية في الكتابة الصحفية حرصاً على الموضوعية، فيكون المقال موجّهاً إلى كل القرّاء، لكن في ذكرى استشهاد المفتي حسن خالد، ارتأيت الخروج عن هذه القاعدة، نظراً إلى تجربتي الشخصيّة خلال الحرب اللبنانية وخصوصاً أنني شاهد حيّ على فصولها وانقساماتها والفرز الطائفي وخطوط التماس والخوف من الآخر… ومعايشة رفاقي المقاتلين المسيحيين على الجبهات.
إذاً أنا إبن حرب، وكنت في الثمانينيات كمعظم المقاتلين في أول شبابي، بتنشئة سياسية مسيحية سيادية على مقاعد الدراسة، مقتنعاً من دون فلسفة، أن خارج منطقتي الحرة لا وجود للحرية في ظل احتلال سوريّ، بل مسلمون لبنانيون خاضعون لهذا الاحتلال، بعضهم راضٍ وبعضهم الآخر مكره، لكن في واقع الحال كانت الكلمة للميدان، وما كنا نعيشه يومياً أن النار تطلق علينا من “الغربية”، ولسان حالنا أن وجودنا مهدد من هؤلاء المتمركزين على الجبهات في الشطر الآخر من بيروت!
لا شك في أن صوت العقل غاب، وسط عنف المعارك ودوي المدافع، في تلك المرحلة، ولم يكن للإعتدال مكان، وكما كل جماعة تشعر أنها مضطهدة كنا نميل إلى خطاب القوة الذي كان يمثّله قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل قبل مرحلة وصوله إلى الرئاسة، ونؤمن بكل كلمة كان يقولها وأهمها “أننا شياطين هذا الشرق وقدّيسوه”، وما إلى هنالك من شعارات لم ينسها المسيحيون حتى اليوم.
فما علاقة المفتي حسن خالد بكل ما أوردته؟
في غمرة القيادات اليسارية والتقدمية والاسلامية المستفزة، كنت أشعر باليأس واستحالة انتهاء الحرب في لبنان، إلا أن بارقة أمل وحيدة كانت تلوح أمامي، أنا الشاب المسيحي الرافض للآخر والموجوع من أوراق النعوة لرفاق يستشهدون هنا وهناك، برصاص أو قذائف آتية من “الغربية”، وهي وجه المفتي خالد. عندما كان يطلّ على شاشة “تلفزيون لبنان”، وما أن أنظر إلى وجهه السموح، حتى أرتاح. في البداية، لم أعرف السبب، إلا أن ملامح وجهه كانت تنضح بالمحبة والهدوء وتدل على أخلاق رفيعة. أما عندما كنت أستمع اليه، فتراودني أفكار خلافاً لمشهدية الحرب والانقسام، وأتساءل ببراءة: بماذا يختلف رجل الدين المسلم هذا عن المسيحي؟ وبالفعل كان انطباعي الأول كشاب يافع صادقاً: فكلام الرجل كان حقيقياً، يدعو إلى الوحدة الوطنية من دون تزلّف، متمسّكاً بأصالة الضمير والوجدان منصرفاً إلى محاولة الجمع بين أبناء الوطن الواحد على تذليل المصاعب خصوصاً في الأوقات الصعبة والحرجة. ولم يكن صعباً أن يلاحظ المرء شجاعة هذا المفتي ومحبته، وحديثه الحلو، وحرصه على تهدئة خاطر المهان، وبلسمة جراح المظلوم، ومناصرة المحروم والعمل على إحقاق الحق وإزهاق الباطل. وفي عمق أعماقي كنت أشعر أنه المُسلم الحقيقي، المسيحيّ الهوى والنزعة، لتطرفه في المحبة والاعتدال في ظل نيران مشتعلة في كل مكان خلال الحرب المشؤومة.
لا بد من الاعتراف بأن المفتي خالد غيّر كثيراً في نظرتي الى الآخر، في ذروة الحرب، وأعاد إليّ الأمل بالتعايش الذي لم ألمسه سابقاً إلا على الورق والخطابات الرنانة. وسأقول كلاماً أكثر جرأة، عندما أصغي إلى كلمات المفتي خالد كنت أشعر أنها محمّلة بالقيم الانجيلية، تُحرّك في أعماقي إرادة الخير، فتعاليم المسيح ليست موضوعة في قفص، بل يحضُر حيث تُعاشُ حقيقته، ولا شك في أن نظرة خالد الى الديانات الأخرى كانت تتّسم بالتفاؤل والرّحابة. وكان يدعو المسلمين إلى استكشاف المسيحيّة والاسلام معاً، بعدم الذهاب وراء ما حصل من خلافات وحروب في التاريخ وعدم الوقوف عند حرفيّة الكلمات في النصوص الدينيّة بل الغوص في حقائقها والقيم التي تبشّر بها. وبهذا يمكن القول إنه كان رجل علم وثقافة منوّر، ويؤمن بأن الديانتين تلتقيان في كثير من الموضوعات، إلّا أنّ التلاقي لا يعني التطابق، والتشابه لا يعني الوَحدة. فلكلّ ديانةٍ نسق دلاليّ وسرديّة وإطار معنى، تتخّذ بداخلها المواضيع المشتركة طبيعة مختلفة وتأويلات متعددة، فيستحق المفتي خالد لقب “داعية الحوار الاسلامي المسيحي”.
عشيّة عام 1989، كنت في الثامنة عشرة من عمري، متوجّساً من حرب غير مسؤولة أطلقها العماد ميشال عون تحت عنوان “حرب التحرير” ضد الاحتلال السوري، خلّفت المزيد من الإنقسام بين اللبنانيين وخصوصاً ان نهج “الجنرال” كان متوتّراً دائماً. كنت أتابع مواقف المفتي خالد المتزنة، الداعية إلى الاستقرار في لبنان وتوحيد جهود أبنائه للخروج من الحروب التي كانت تدور في البلاد تحت مسميات عديدة، الأمر الذي لم ينل رضى النظام السوري، وخصوصاً أنه عُرِفَ عن المفتي الراحل معارضته سياسته ومخابراته في لبنان. كان هاجسه الدفاع عن المجتمع اللبناني الذي كان في حالة تصدّع وانهيار للمؤسسات بسبب هيمنة الميليشيات التابعة لسوريا على الشارع الاسلامي خصوصاً في بيروت، ما جعل المفتي مرجعية وطنية لا يمكن تجازوها، ويبدو أن هذا الأمر أغضب النظام السوري، وقرر تصفيته.
استفقت يوم 16 أيار 1989 على خبر اغتيال المفتي خالد، حزنت كثيراً، وانطفأ النور الوحيد الذي كنت أستمدّ منه الأمل لإسترجاع لبنان الدولة الفعلية الموحّدة… واليوم بعد مرور 35 عاماً على اغتيال هذا الرجل العظيم، أرى أنه استبق بأفكاره الرؤيوية “اتفاق الطائف” وثورة الاستقلال 2005، وثورة 17 تشرين الأول 2019، و”لبنان الرسالة” الذي تكلّم عنه البابا يوحنا بولس الثاني، وكل ما يحلم به اللبنانيون حتى اليوم. وربما الأمر الوحيد الذي كسبه الشهيد المفتي حسن خالد في رحيله المبكر هو أنه لم يرَ ما ترتكبه ميليشيا فئوية مذهبية باللبنانيين مسلمين ومسيحيين، خدمة لمشروع ايراني، فتقوّض مشروع الدولة لحساب الدويلة.
بشير الجميل، المفتي حسن خالد، رفيق الحريري، جبران تويني وغيرهم شهداء أرادوا لبنان حراً، سيّداً ونقياً، طالبوا من دون خوف أو مساومة ومن على المنابر العربية والدولية كافة بحرّيّة وطنهم وسيادته واستقلاله، فاغتالهم أعداء لبنان لأنهم ظلّوا متَمَسِّكين بمبادئهم وأوفياء لمواقفهم ومعتقداتهم في حب إخوتهم في لبنان، كل لبنان، وكل اللبنانيين!


