في ذكرى المفتي… لا لسُنّة أقوياء!

أنطوني جعجع

في السادس عشر من أيار من العام ١٩٨٩سقط المفتي حسن خالد في انفجار سيارة مفخخة في القسم الغربي من بيروت.

خطيئته أنه أدرك متأخراً أن القرار السني في لبنان بات في يد حافظ الأسد، وأن الامتيازات التي كان يطالب بها للمسلمين في مواجهة “المارونية السياسية”، لم تكن الا ذريعة تسلح بها ياسر عرفات أولاً لإقامة “الوطن البديل”، وتمسك بها الرئيس السوري لضم الوطن “الهجين”.

قرار القتل جاء بعدما قرر المفتي خالد الانفتاح على بكركي والرئاسة الأولى يساعده في ذلك الشيخ محمد مهدي شمس الدين ومجموعة من الشخصيات الدينية والسياسية السنية ومنها الشيخ صبحي الصالح والنائب ناظم القادري اللذان قتلا تباعاً في وقت لاحق.

كان النظام السوري يعتبر أن الفضل يعود اليه في كل ما حصل عليه المسلمون في لبنان وتعامل معهم تحت شعار: الطاعة أو الإعدام.

لم يكن الأسد مستعداً لإعطاء سنة لبنان ما لم يعطه لسنة سوريا، وهو نهج تواصل بعد رحيل الرئيس الأب ولم يوفر رفيق الحريري في زمن الرئيس الابن.

بشار الأسد لم يأتِ في الواقع من مدرسة مختلفة ولا قرأ في كتاب جديد، فهو بعد مقتل شقيقه البكر باسل في حادث غامض، تلقى من فريق والده ما يجب أن يعرفه حيال الأكثرية السنية المكبوتة في سوريا، وحيال أي تململ سني قد يتحول الى ما يشبه ثورة “الاخوان المسلمين” التي اندلعت في حماة ومناطق أخرى وكبّدتهم أكثر من ثلاثين ألف قتيل وفق تقارير متشعبة ومتنوعة.

والواقع أن الخطأ الذي ارتكبه المفتي خالد عمداً في العام ١٩٧٩ ارتكبه رفيق الحريري سهواً في العام ٢٠٠٥ عندما تحول من حيث يشاء أو يأبى الى مرجعية سنية غير مباشرة للغالبية السنية السورية المحاصرة في الداخل من الأقلية العلوية، ومن الخارج من الأكثرية الشيعية في العراق المجاور بعد سقوط صدام حسين، ومن فلسطين من المنظمات السنية الأصولية الموالية للنظام الايراني.

والواقع أيضاً أن السنة في سوريا كانوا ينظرون الى سنة النظام وفي مقدمهم عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس وحكمت الشهابي وفاروق الشرع على أنهم رجال الأسد وحسب، وأنهم يشكلون الغطاء السني المركب لحزب “البعث” الذي يقوده العلويون عسكرياً وأمنياً وسياسياً ومالياً، تماماً كما كان الكثير من سنة لبنان ومسيحييه وشيعته يشكلون الغطاء نفسه لنفوذ آل الأسد فيه، قبل أن يوفر “التيار الوطني الحر” الغطاء المطلوب لـ “حزب الله” ومن خلاله النظامين السوري والايراني.

والواقع أيضاً وأيضاً، أن محور الممانعة يعمل لانشاء كيانات شيعية الهوى وشيعية الحكم والقرار، والتعامل مع السنة والمسيحيين في هذه الكيانات على أنهم مواطنون آمنون ما داموا خاضعين لما يأمر به ويقرره الأئمة في قم.

وليس المقصود هنا تسطير الأحكام والاتهامات والشبهات في كل ما تعرض له سنة لبنان، لكننا في وارد الاضاءة على حقيقة ساطعة تأسست في أربعينيات القرن الحالي وتفاقمت مع وصول “البعث” الى الحكم في دمشق، وتتمثل في البداية في أن أي نظام حاكم في سوريا لا يمكن أن يصمد أو يهنأ ما دام الموارنة أقوياء في لبنان فكانت ثورة العام ١٩٥٨وحروب السبعينيات بين الفلسطينيين والجيش اللبناني ثم بين الفلسطينيين والسوريين والقوى المسيحية، ثم لا يمكن لاحقاً أن يصمد أو يهنأ أيضاً ما دام سنة لبنان أقوياء الى الحد الذي يمكنهم من التأثير والتفاعل مع سنة سوريا، فكان القرار باسقاط رفيق الحريري الذي تحوّل الى “عرّاب” الكثير من السنة في كل من لبنان وسوريا والعراق وممثل “سنة الخليج” في العالمين العربي والاسلامي، وهذا ما حدث بعد صدور القرار ١٥٥٩ الذي اعتبره الأسد طعنةً في نفوذه المطلق في لبنان واعتبره حسن نصر الله طعنة في سلاحه المطلق.

ونعود بعد هذا السرد المقتضب الى ذكرى اغتيال المفتي خالد، لنقول ان هذا الانفصال العميق بين الغالبية السنية اللبنانية والنظام السوري لا يأتي من فراغ، وسط اعتراف في عمق بيروت بأن سنة لبنان في عهد المارونية السياسية كانوا أفضل حالاً وأكثر أمناً وحرية من الجار السوري الذي ناصروه ودعموه وساهموا في نقله من جار يدير اللعبة في لبنان من بعيد الى حاكم يدير البلاد في عقر دارها، وأن الامتيازات الدستورية التي حصلوا عليها لم تكن عملياً الا امتيازات وظفها السوريون لترسيخ وجودهم في لبنان وتشكيل قوة شيعية – علوية تكون نواة لما أصبح لاحقاً محور الممانعة في الشكل والهلال الايراني في المضمون.

ويكشف مصدر سني مطلع أن “اتفاق الطائف” الذي أعطى السنة اليد الطولى في الكثير من مقومات الحكم، لم يكن الا الحل الوحيد الذي ابتلعته سوريا عنوة بعد “حرب التحرير” في لبنان و”حرب الكويت”، والمدخل الذي يسمح لها بالدخول الى لبنان من دون شراكة أو شروط أو قيود لا تقوى على تحملها، وهو ما يفسر سرعة التخلص من الرئيس رينيه معوض والرهان على الياس الهراوي.

والواقع أن حافظ الاسد لم يكن مخطئاً عندما تلقف “اتفاق الطائف” على الرغم من بعض بنوده النافرة بالنسبة اليه، اذ كان يعرف وقتذاك أن حروب ميشال عون قضت على البندقية المسيحية العاصية، وجعلت مسلمي لبنان مدينين في امتيازاتهم الجديدة لدهائه من جهة وتضحيات جيشه من جهة ثانية، وجعلت أميركا ترى فيه حاجة في لبنان وليس حليفاً، وهو الدور الذي أجاد الأسد في الاضطلاع به، أي أن يكون حاجة لا حليفاً.

ويضيف: وانطلاقاً من هذه الحقيقة التي تجاهلها المفتي خالد من قبل، يمكن أن نفهم لماذا سقط رفيق الحريري ولماذا سقط وليد عيدو ووسام الحسن ومحمد شطح، ولماذا يمكن أن يسقط سواهم في المستقبل، مشيراً الى أن أي قائمة للسنة لن تقوم ما دام بشار الأسد في قصر المهاجرين وما دام حسن نصر الله على تخوم بيروت، وما دام شعار “تحرير فلسطين” يرفد عامل القوة بمزيد من التسلط والقمع، تماماً كما أصاب الموارنة الذين استغرقهم الأمر أكثر من خمسين عاماً قبل أن يدركوا أنهم محاصرون من جار سوري يريدهم اما عملاء واما شهداء.

شارك المقال