لبنان… إصلاحات “غير مرضية” تعوق التعافي الاقتصادي

سوليكا علاء الدين

إختتم وفد صندوق النقد الدولي، المكلّف بمتابعة الملف اللبناني، زيارته الدورية إلى بيروت، والتي امتدت من 20 إلى 23 أيار الجاري. جاءت هذه الزيارة في إطار مساعي الصندوق للحفاظ على قنوات الحوار والتواصل مع جميع الأطراف اللبنانية، بحيث عقد الوفد اجتماعات تشاورية مع كبار المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب كبار الشخصيات في القطاع المالي، وعلى رأسهم ممثلو المصرف المركزي والجهاز المصرفي.

وتُوّجت زيارة وفد صندوق النقد الدولي، برئاسة إرنستو راميريز ريغو، بتأكيدات قوية على ضرورة اتخاذ خطوات إصلاحية جريئة من السلطات اللبنانية لمعالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وأشار الوفد إلى أن استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوتر بين لبنان وإسرائيل يُشكلان تحديات كبيرة تعوق عملية التعافي الاقتصادي في البلاد. كما شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة لمكافحة أزمتي البطالة والفقر المتفاقمتين في لبنان.

صندوق النقد الدولي أكّد في بيان أن الأزمة الاقتصادية الراسخة في لبنان تُلقي بثقلها على كاهل سكانه، بحيث وصلت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات استثنائية غير مسبوقة. كما تعاني الخدمات العامة الحيوية من شلل شبه كامل. في الوقت نفسه، يواجه لبنان عبء استضافة أكبر عدد من اللاجئين بالنسبة الى عدد سكانه على مستوى العالم، وسط تقلّص موارده بصورة مقلقة.

وأضاف الصندوق أن التداعيات السلبية للصراع في غزة وزيادة الأعمال القتالية على الحدود الجنوبية للبنان تُفاقم الوضع الاقتصادي المتردي أصلاً. فقد أدت هذه الأحداث إلى نزوح هائل للسكان داخلياً، وإلحاق دمار واسع بالبنية التحتية والزراعة والتجارة في جنوب لبنان. وبالاضافة إلى تراجع السياحة، تُعرقل المخاطر العالية المرتبطة بالصراع عملية الخروج من الركود الاقتصادي، وتخلق حالة كبيرة من عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.

وبخصوص الاصلاحات النقدية والمالية، أشار الصندوق إلى إحراز بعض التقدم منذ آخر مشاورات المادة الرابعة، مُنوّهاً بتدابير السياسة التي اتخذتها وزارة المالية ومصرف لبنان – بما في ذلك الإلغاء التدريجي للتمويل النقدي للموازنة، وإنهاء منصة “صيرفة” (الصرف الأجنبي الالكتروني)، واتباع سياسة مالية صارمة، واتخاذ خطوات نحو توحيد أسعار الصرف – وساعدت جميعها على احتواء انخفاض سعر الصرف، واستقرار المعروض النقدي، وكذلك الحد من الضغوط التضخمية.

وإلى جانب ذلك، أثمرت التدابير التي اتخذتها وزارة المالية لتحسين تعبئة الايرادات من ضريبة القيمة المضافة والجمارك نتائج إيجابية ملموسة. وشملت هذه التدابير تعديل الدولار الجمركي ليتناسب مع سعر الصرف في السوق، ما أدى إلى تقريب العجز المالي المتوقع لعام 2023 من الصفر. كما أتاحت الجهود المشتركة التي بذلها مصرف لبنان ووزارة المالية تراكم بعض الاحتياطيات الأجنبية.

وبينما تُشير الاصلاحات المُتخذة إلى خطوات في الاتجاه الصحيح، إلا أنّها لا ترقى إلى المستوى المطلوب لتمكين لبنان من التعافي من أزمته الاقتصادية العميقة بصورة نهائية. وتُشكل الأزمة المصرفية المستمرة عائقاً رئيسياً أمام أيّة مساعي للتعافي. وتظلّ الودائع المصرفية مجمّدة، ويفتقر القطاع المصرفي إلى القدرة على توفير الائتمان للاقتصاد، بعد أن عجزت الحكومة والبرلمان عن إيجاد حل للأزمة المصرفية. ويُعدّ إيجاد حلّ لمعالجة خسائر البنوك مع حماية حقوق المودعين قدر الإمكان والحدّ من الاعتماد على الموارد العامة الشحيحة بطريقة موثوقة ومُجدية، أمراً لا غنى عنه لوضع حجر الأساس للتعافي الاقتصادي المستدام. وفي حال لم يتمّ إحراز أي تقدّم ملموس، ستزداد حدة ظاهرة الاقتصاد النقدي وغير الرسمي، ما يُنذر بعواقب وخيمة على صعيد الرقابة والتنظيم المالي.

ورأى صندوق النقد الدولي أنّ الموافقة على ميزانية 2024 في الوقت المناسب كانت خطوة أولى مهمة، لكنّه شدّد على ضرورة بذل جهود أقوى لتعزيز المالية العامة في لبنان. وتواجه إدارة الضرائب نقصاً في التمويل، ما يعوق تحصيل الضرائب ويُضعف دافعي الضرائب في القطاع الرسمي. ويُؤدّي نقص الموارد إلى صعوبات في توفير الخدمات العامة الأساسية والبرامج الاجتماعية والإنفاق الرأسمالي. كما يُفاقم نقص الموارد عدم المساواة ويُؤثّر سلباً على التصورات المتعلقة بالعدالة الضريبية. ولذلك، دعا إلى استهداف ميزانية 2025 لتحقيق العجز الصفري من خلال إصلاحات مالية أكثر طموحاً، مُشدّداً على ضرورة التركيز على تعزيز تعبئة الايرادات من خلال تحسين الامتثال الضريبي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحالي لتلبية الاحتياجات الاجتماعية الأساسية واحتياجات البنية التحتية.

وفي الوقت الذي تسجّل فيه الاصلاحات المالية والنقدية في لبنان تقدّماً ملموساً، لا تزال الجهود لتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة تسير بوتيرة بطيئةً، لافتاً إلى بدء مصرف لبنان باتخاذ الخطوات اللازمة لتعزيز الرقابة الداخلية والحوكمة. ومع ذلك، لا تقتصر مسؤولية تعزيز الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة على المركزي وحسب،.بل هناك حاجة ماسة إلى اتّخاذ المزيد من التدابير على مستوى القطاع العام ككل، بما في ذلك البيانات المالية المدققة للشركات المملوكة للدولة، فضلاً عن إصلاحات الشركات المملوكة للدولة على نطاق أوسع. وبحسب صندوق النقد، يُواجه لبنان تحدياً إضافياً في عملية صنع السياسات السليمة، يتمثّل في الضعف في جودة البيانات الاقتصادية وتوافرها وتوقيتها.

لا تزال الاصلاحات الهيكلية المطلوبة من لبنان لإنقاذ اقتصاده المتداعي عالقة في درج الانتظار، وذلك في ظل الشلل السياسي والاقتصادي الخانق الذي يواجه البلاد، ناهيك عن الحرب الدائرة في غزّة. ومنذ نيسان 2022، لم يتم إحراز أي تقدم ملحوظ على صعيد تنفيذ هذه الاصلاحات، الأمر الذي يهدّد بتفاقم الأزمة وتأخير وضع البلاد على سكّة التعافي. ويُعدّ ملف الودائع وإعادة هيكلة المصارف حجر العثرة الأساسي أمام التوصل إلى اتفاق بين لبنان وصندوق النقد الدولي، الذي يُصرّ على ضرورة وضع خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المالي ومعالجة الفجوة المالية القائمة، مع التأكيد على تنفيذها بفاعلية الأمر الذي يتطلب تحديد المسؤوليات واتخاذ مواقف واضحة من جميع الأطراف المعنية وهو ما يتسم بالصعوبة في ظل الوضع السياسي الراهن.

ويشكّل استمرار الفراغ الرئاسي وعجز حكومة تصريف الأعمال والمجلس النيابي عن اتخاذ أي خطوات إصلاحية عائقاً كبيراً أمام التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وتزداد الأمور تعقيداً مع اتساع الخلافات حول غياب خريطة طريق واضحة لإصلاح الاقتصاد اللبناني. وعليه، تبقى زيارات وفود الصندوق إلى لبنان من دون جدوى تُذكر، ويُصبح الاتفاق النهائي معه حلماً صعب المنال.

شارك المقال