ما الذي يحصل في فنزويلا بشكل يدفع الولايات المتحدة الى التدخل؟ وفقاً لمقال في موقع “ميدل إيست فوروم”، فان “ما يحصل أبعد بكثير من مجرد توترات قديمة أو حتى تعاونات جديدة تحديداً مع إيران. وهذا ما يبرر استعراض القوة الأميركي في وقت سابق من هذا الشهر، بحيث حلقت طائرتان مقاتلتان أميركيتان فوق مدينة جورج تاون، عاصمة غيانا. أما الرسالة فليست موجهة الى النظام الاشتراكي في فنزويلا وحسب، بل أيضاً إلى جمهورية إيران الاسلامية. فهل نحن على أعتاب حرب جديدة بالوكالة؟”.
للوهلة الأولى، كما نقرأ في التحليل “يخيل أن الصراع يدور بين فنزويلا وغيانا حول نزاع حدودي عمره قرن من الزمان حول منطقة تسمى إيسيكويبو تشكل ثلثي مساحة أراضي غيانا ولكن لا تضم سوى 15% من سكانها. لكن الصراع أبعد من ذلك بكثير ولا يتعلق بالحدود البرية لغيانا بقدر ما يتعلق بالمجال البحري. وعبرت سفينة حربية إيرانية، وهي سفينة تجارية تم تحويلها إلى سفينة عسكرية تابعة لبحرية الحرس الثوري الاسلامي خط الاستواء إلى نصف الكرة الجنوبي للمرة الأولى في 4 أيار/مايو. أما مهمتها فسرية ووجهتها غير معروفة. قبل ثلاث سنوات، اتبعت سفينتان حربيتان أخريان من البحرية التقليدية الايرانية طريقاً مماثلاً عندما أبحرتا حول رأس الرجاء الصالح وعبرتا إلى جنوب المحيط الأطلسي وكانت وجهتهما المعلنة هي فنزويلا. في ذلك الوقت، غيّرت السفن الحربية مسارها وتحركت حول غرب إفريقيا في طريقها إلى سانت بطرسبرغ. ومن غير الواضح ما إذا كانت السفينة الايرانية ستعبر المحيط الأطلسي هذه المرة، لكن الأكيد هو أن أسلحة الحرس الثوري الايراني وصلت بالفعل بكميات كبيرة إلى فنزويلا.
وبالتوازي مع إبحار السفينة الحربية الايرانية في مكان ما في نصف الكرة الجنوبي، رصدت سفينة بحرية فنزويلية، وهي سفينة دورية من طراز Guaiquerí PC-21، في 8 أيار/مايو وهي تبحر باتجاه المياه الاقليمية لغيانا مجهزة بتكنولوجيا التخفي والصواريخ المضادة للسفن مقدمة من الصين وإيران. حدث ذلك مرة واحدة على الأقل من قبل في الأسابيع الأخيرة، ولكن هذه المرة كانت السفينة البحرية الفنزويلية تحظى بمرافقة من قوارب صغيرة إيرانية الصنع من طراز Peykaap-III، وهي زوارق الهجوم السريع الأكثر تقدماً في ترسانة الحرس الثوري الايراني والتي وصلت إلى فنزويلا العام الماضي.
ولأكثر من عقد من الزمان، كانت إيران تزود فنزويلا بأسلحة حديثة تشمل مسيرات بعيدة المدى، وقنابل ذكية، وصواريخ كروز، والزوارق القتالية. لا يُقصد من أنظمة الأسلحة هذه الاستخدام بطريقة عسكرية تقليدية، بل في هجمات برمائية غير متماثلة، مثل التكتيكات التي يستخدمها المتمردون الحوثيون قبالة سواحل اليمن وفي البحر الأحمر. وتعد هجمات القرصنة بعيدة المدى التي يشنها الحوثيون والتي ترعاها إيران ضد السفن التجارية والتي جمّدت الشحن التجاري عبر البحر الأحمر، حسب القراءة، نموذجاً يتطلب دراسة متأنية من المحللين العسكريين في أميركا اللاتينية. وهذه المرة استهدفت الولايات المتحدة في ظل الصراع المتصاعد بين فنزويلا وغيانا.
سبب الحرب في فنزويلا
ويدور معظم التحليلات بشأن الصراع بين فنزويلا وغيانا حول منطقة إيسيكويبو. وحددت المملكة المتحدة الغابة الكثيفة بين غيانا وفنزويلا في أواخر القرن التاسع عشر عندما كانت غيانا مستعمرة وتتفاوض مع فنزويلا عبر الولايات المتحدة. اعترضت فنزويلا وبعد عقود، رفعت قضيتها إلى الأمم المتحدة التي توسطت في اتفاق جنيف لعام 1966 المعروف باسم اتفاق التوصل إلى اتفاق لطرح النزاع الحدودي لحله في المستقبل.
في عام 2020، قبلت محكمة العدل الدولية قضية إيسيكويبو الخاضعة لولايتها القضائية وبدأت إجراءات التحكيم في النزاع الحدودي. ولا يعترف نظام مادورو في فنزويلا بسلطة محكمة العدل الدولية، وبدلاً من ذلك، أجرى استفتاء وطنياً حول إيسيكويبو في 3 ديسمبر/كانون الأول 2023، للحث على إقرار قانون جديد في مارس/آذار الماضي في الجمعية الوطنية التي يسيطر عليها النظام لإعلان غايانا-إيسكويبا باعتبارها الولاية الرابعة والعشرين لفنزويلا. وهذا هو سبب الحرب في فنزويلا ظاهرياً، لكن الصراع لا يتعلق بالإيسيكويبو بل بالمحيط الأطلسي. إذ ان الازدهار قد يتحول إلى كساد إذا تمكنت فنزويلا وإيران من تعطيل الشحن التجاري في الممر البحري الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحر الكاريبي.
ولا يمكن نفي أن الآثار الاقتصادية للحروب هي التي تغيّر المشهد الجيوسياسي للعالم، وخصوصاً في المجال البحري. في حالة حرب أوكرانيا، أثر تضخم أسعار المواد الغذائية بسبب تعطل سلسلة التوريد للقمح والأسمدة المنتجة في روسيا وأوكرانيا على الصناعات الزراعية والاقتصادات في إفريقيا وأميركا اللاتينية. وفي حرب غزة، أدى إغلاق ممرات الشحن عبر قناة السويس إلى تباطؤ المساعدات الانسانية، وزيادة الضغط على إسرائيل وتحويل حركة المرور البحرية حول رأس الرجاء الصالح، حيث تتجه السفينة الحربية الايرانية حالياً. ويعتبر جنوب المحيط الأطلسي مجالاً بحرياً من بين أقوى المجالات في التجارة غير المشروعة والأضعف في الأمن البحري. وهو المكان الأمثل للقوى مثل إيران وروسيا والصين لاختبار طموحها في إنشاء حزام أمني بحري جديد متعدد الأقطاب.
وأجرت إيران وروسيا والصين بالفعل ست مناورات بحرية مشتركة في خليج عمان والمحيط الهندي منذ العام 2018، وهي تطمح الى نقل هذه التدريبات إلى المحيط الأطلسي. وقد توفر فنزويلا الذريعة للقيام بذلك. لكن الأمر لا يتعلق بالصراع المحلي بقدر ما يتعلق بالسياق الدولي لتحويل المنافسة بين القوى العظمى إلى صراع. بعد أوكرانيا وغزة، هل وصل الدور الى فنزويلا لشن حرب بالوكالة على ساحل دولة متحالفة مع الولايات المتحدة؟”.


