علامات استفهام كثيرة أثارها خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن نهار الجمعة. الخطاب الذي حمل ظاهرياً الدعوة للسلام “الذي آن أوانه في اللحظة الحاسمة” من خلال خريطة ثلاثية للحل، أثار تساؤلات حول حقيقة التزام إسرائيل بإعلان حليفها الأميركي وحول نوايا بايدن نفسه الذي ألقى في هذا التوقيت بالذات، خطاباً متقناً يظهره بصورة المخلص. فما هي النقاط التي أثارت التباين؟
الحملة ضد القضاء واتهامه بالفساد
يكتسب توقيت خطاب بايدن أهمية لا يمكن غض النظر عنها في هذا الصدد. ففي الوقت الذي يشكك فيه كثر بالنظام القضائي الأميركي وأولهم دونالد ترامب المنافس لبايدن، يأتي هذا الخطاب ليمرر رسائل حول التزامه بالقانون وبسقفه. وهذا ما يبرر التوقيت “المفاجئ” بالنسبة الى كثر حتى من ضمن الدائرة المقربة له، بحيث لم يتم إخطار الاعلام بالخطاب إلا قبله بساعتين. وظهر الرئيس ليشدد على احترام القانون الدولي وإحلال السلام وعلى أن الجميع تحت سقف القانون.
ورأى كثر أن بايدن مرّر رسالة واضحة لخصمه في خضم السباق الرئاسي حيث كان ترامب قد وصف في وقت سابق نظام القضاء في الولايات المتحدة، بـ”الفاسد”، مشككاً في نزاهة الادعاء العام خصوصاً في سياق القضايا المرفوعة عليه. وأكد ترامب، خلال تجمع انتخابي في تكساس قبل خطاب بايدن، أن الادعاءات ضدّه تفتقر الى أي أساس قانوني، نافياً ارتكابه أي مخالفات بالتزامن مع استمرار التحقيقات في جورجيا ونيويورك وواشنطن.
مدى التزام إسرائيل
للمفارقة، على الرغم من أن موضوع الخطاب هو مبادرة يفترض أن إسرائيل هي التي قامت بها ونقلت لـ “حماس” عن طريق قطر، لماذا يكون بايدن نفسه هو من يعلن عنها؟ تكرر هذا السؤال مراراً في الاعلام الأميركي مسلطاً التباين بين موقف الاستخبارات الاسرائيلية التي تتواصل مع الولايات المتحدة وبين الرأي السياسي لحكومة بنيامين نتنياهو. عدا عن ذلك، في بعض المحطات من الخطاب، يبدو بايدن وكأنه يتوجه الى الحكومة الاسرائيلية نفسها في محاولة لتوجيه نتنياهو “على أمل أن تسير الأمور كما يريد”. “هذه إما عبقرية وإما مغامرة خطيرة”، كما يصفها المحلل الأميركي مارك ستون. كما أن بايدن قالها بكل صراحة وأوضح أن هذا الاقتراح لن يلقى استحسان الجميع في إسرائيل وتحديداً الأكثر تطرفاً والذين يعتزمون استيطان غزة. وهذا يطرح علامات استفهام جديدة حول الأطراف التي تفاوض بايدن معها قبل القيام بهذا الاعلان السريع. وأخيراً، يمكن ببساطة ملاحظة أن بايدن لم يشر ولا مرة الى نتنياهو وهذا يطرح أسئلة حول مدى موافقة هذا الأخير على الانخراط في هذا الاقتراح عوضاً عن مجرد تحميل “حماس” المسؤولية وحدها ووضع الكرة في ملعبها.
Parole Parole.. كلام في كلام
على الرغم من أن اقتراح بايدن يبسط الأمور ويقرّبها من خواتيمها من خلال حصرها بأطر زمنها واضح وقصير، لا يعدو هذا الحل كونه أكثر من اقتراح وليس باتفاق رسمي. ولا يخفى على أحد، وهذا ما يدركه الاعلام الغربي أيضاً، أن الاقتراحات تعيش لقرون ولا تترجم أحياناً حتى بعد رحيل الأطراف الى أي اتفاق أو أي شكل من أشكال التطبيق. ولكن من خلال هذه الشعارات، نجح بايدن في تحويل انتباه معارضيه على الساحتين المحلية والدولية إلى مكان آخر. فقد دعا المتظاهرين في الداخل الأميركي الى توجيه غضبهم لـ “حماس” ودعوتها للالتزام بالصفقة وصناعة السلام. وهذا ما كان قد فعله منذ أقل من أسبوعين في أوروبا لكي يتفادى مواجهة الشارع المحلي والأوروبي والعالمي الذي يتهمه بدعم اسرائيل في عمليات القتل والابادة الجماعية.
تهدئة الشارع وإنقاذ نتنياهو
بايدن هو أول رئيس أميركي يعتلي المنبر ليعلن أن الوقت قد آن لإنهاء الحرب، وفقاً للمحللة الأميركية مارغريت برينين. هذه الدعوة هي ببساطة حل لكل العقد التي يواجهها نتنياهو، فعلى سبيل المثال، طمأن بايدن الشارع الاسرائيلي الى عودة الرهائن خلال وقت قريب جداً بالتوازي مع الضغوط التي يخضع لها رئيس الحكومة الاسرائيلية من الشارع الذي يطالب بحل الأزمة بالطرق الديبلوماسية وليس بالحرب. كما طمأن المستوطنين على الحدود مع لبنان الى استعداده للمساهمة في صياغة حل يضمن أمنهم ويبعد عنهم الخطر. وأعاد أخيراً تلميع صورة نتنياهو المتهم بإدامة الحرب لتحقيق مكاسب خاصة.
النصر لاسرائيل على “طبق من ذهب”
“حماس ما عادت قادرة على إحداث الضرر”.. بهذه العبارة قدم بايدن لاسرائيل مفتاح الحل من خلال استخدام الكلمات التي تعني أمام الجميع أنها انتصرت بمعنى نجاحها في تحقيق أحد أهم الأهداف المعلنة للحرب: “القضاء على حماس”. وفي هذا السياق، لاقى الخطاب انتقادات نظراً الى أنه يسعى لطمأنة إسرائيل الى سلامتها بينما تستمر الأزمة الانسانية في غزة. وفي هذه الطمأنة خزي مقنع بحيث أنه بالنظر الى الواقع، لم تتوانَ إسرائيل عن الاستخفاف بالخطوط الحمر التي وضعها بايدن مراراً، فدخلت رفح واستخدمت الأسلحة “الغبية” واستثمرت السلاح الأميركي في قتل الأبرياء.
المحلل مارك ستون رأى في هذا الاطار أن الخطاب “عكس بوضوح ما لن يعترف به بايدن الذي حاول أن يظهر من البيت الأبيض أنه يمسك بزمام الأمور بينما الحقيقة أنه تعرض للاستهزاء من نتنياهو، وفي الوقت الذي تستمر فيه أرقام الضحايا بالارتفاع. الأمر الذي يظهر الانقسام داخل حكومة نتنياهو نفسها”.


