الامارات: طفرة غير نفطية تُعزز تنوع الاقتصاد

سوليكا علاء الدين

أكدت منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” النمو القوي الذي تشهده قطاعات دولة الامارات غير النفطية، بدعم من السياسات الحكومية وارتفاع الطلب. إذ سجل الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي زيادة سنوية ملحوظة بنسبة 7.3 في المئة في الربع الثاني من العام 2023، مع مساهمات كبيرة من قطاعات البناء والتمويل والتأمين.

وأشارت المنظمة الى أنّ هذا الزخم استمر خلال العام 2023، مع تسجيل أداء استثنائي في أبوظبي، حيث نما الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي بنسبة 10.4 في المئة على أساس سنوي في الربع الرابع من العام 2023. كما شهدت دبي توسعاً اقتصادياً بنسبة 3.5 في المئة على أساس سنوي في الربع الثالث من العام نفسه، مدفوعاً بنمو ملحوظ في قطاعات النقل والتخزين (12.0 في المئة وأنشطة الاقامة والخدمات الغذائية 16.1 في المئة).

وسجل قطاع البناء في دبي توسعاً بوتيرة معتدلة بنسبة 1.1 في المئة. بينما اختلفت ديناميكيات التضخم بين الامارتين، حيث حافظت أبوظبي على انخفاض معدل التضخم إلى 7 في المئة على أساس سنوي في شباط/ فبراير بعد أن كان 1.5 في المئة في كانون الثاني/ يناير. في المقابل، سجلت دبي معدلات تضخم أعلى بلغت 3.3 في المئة في شباط/ فبراير وآذار/ مارس، بعد أن كانت 3.6 في المئة في كانون الثاني/ يناير. وبدوره، أبقى مصرف الامارات العربية المتحدة المركزي سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 5.4 في المئة، من دون تغيير منذ تموز/ يوليو 2023.

وفي السياق نفسه، كشف مؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن “ستاندرد آند بورز غلوبال” استقرار نمو أنشطة القطاع الخاص غير النفطي في دولة الامارات العربية المتحدة خلال شهر أيار/ مايو، إلا أن هذا الاستقرار جاء في ظل ارتفاع قياسي في حجم الأعمال غير المنجزة، إذ فرضت المبيعات القوية وتأثيرات أزمة الفيضانات في نيسان/ أبريل ضغوطاً هائلة على القدرة الانتاجية للشركات. ويعتمد المؤشر على مجموعة من المؤشرات الفرعية لقياس النشاط في القطاع الخاص غير المنتج للنفط مثل التغيرات في الانتاج والطلبيات الجديدة والتوظيف ومواعيد تسليم الموردين ومخزون المشتريات.

وقد حافظ مؤشر مديري المشتريات على ثباته في أيار/ مايو، مسجلاً 55.3 نقطة من دون تغيير عن نيسان/ أبريل، وهو أدنى مستوى له منذ ثمانية أشهر. ويشير هذا المستوى، الذي يفصل بين النمو والانكماش، إلى استقرار نشاط القطاع الخاص غير المنتج للنفط في الامارات خلال الشهر الماضي.

وأكّد أداء الشركات غير النفطية صلابته خلال شهر أيار/ مايو، بحيث ارتفع كل من الإنتاج والطلبات الجديدة. ومع ذلك، شهدت وتيرة الإنتاج تباطؤاً طفيفاً، مسجلة أدنى مستوى لها في 16 شهراً، وذلك بسبب بعض الاضطرابات في العمليات التي أشارت إليها بعض الشركات. وعلى الرغم من هذا التباطؤ، بقيت الزيادة في النشاط قوية مقارنة بالمستويات التاريخية. وبصورة متزامنة، ساهمت الجهود المبذولة لتعزيز قدرات الشركات في زيادة معدلات التوظيف وشراء مستلزمات الانتاج، بينما شهدت سلاسل التوريد تحسناً بعد تعطلها في الشهر السابق.

وفي المقابل، أدى الارتفاع في الطلب على مستلزمات الانتاج والحاجة إلى تجديد المخزون إلى زيادة ضغوط الأسعار بصورة ملحوظة. وشهدت تكاليف مستلزمات الإنتاج أكبر ارتفاع لها منذ ما يقرب من عامين، ما ساهم بدوره في تسجيل أسرع زيادة في الأسعار الإجمالية منذ نيسان/ أبريل 2021.

وأشار تقرير الشركة إلى تعافي زخم الطلب بعد التباطؤ الذي شهدته الشركات في نيسان/ أبريل بسبب الفيضانات. إذ علق العديد من الشركات على تحسن الإنفاق من العملاء والسياح، بينما ذكرت شركات أخرى أن تعافي المبيعات كان بطيئاً.

وعلى الرغم من التسارع الذي شهده في الشهر الماضي، لم يكن الارتفاع في إجمالي الطلبات الجديدة قوياً كما كان متوقعاً، بحيث سجل ثاني أضعف ارتفاع له منذ آب/ أغسطس 2023. وفي الوقت عينه، شهد معدل نمو النشاط التجاري تباطؤاً، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 16 شهراً. وعزا بعض الشركات هذا التباطؤ إلى استمرار اضطرابات العمليات.

وعلى الرغم أيضاً من تباطؤ القدرة الانتاجية، استمرت الأعمال المتراكمة في الارتفاع بوتيرة قوية، مسجلة أسرع زيادة لها منذ بدء الدراسة في العام 2009. وعزت الشركات هذا الارتفاع إلى استمرار تأثير الفيضانات، بالاضافة إلى التحديات الاضافية الناجمة عن أزمة البحر الأحمر والمشكلات الادارية. من ناحية إيجابية، شهدت سرعة تسليم الموردين للمشتريات تحسناً ملحوظاً مقارنةً بشهر نيسان/ أبريل.

وعانى قطاع الشركات غير النفطية في الامارات العربية المتحدة من ضغوط هائلة على القدرة التجارية خلال شهر أيار/ مايو، بحيث سجلت أحدث بيانات مؤشر مدراء المشتريات أعلى زيادة على الاطلاق في الأعمال المتراكمة، وفقاً لديفيد أوين، الخبير الاقتصادي الأول لدى “ستاندرد آند بورز غلوبال”.

وأضاف أوين أن هذا الارتفاع يمكن تفسيره جزئياً إلى الأمطار الغزيرة والفيضانات التي شهدتها البلاد في نيسان/ أبريل. ومع ذلك، أشار إلى أن الضغوط على القدرة الانتاجية كانت بالفعل عند مستويات قياسية في آذار/ مارس، مدفوعة بمزيج من قوة المبيعات وتحديات سلاسل التوريد الناجمة عن أزمة البحر الأحمر.

كما أظهرت النتائج أن الشركات تواجه تحديات كبيرة للتغلب على أعباء عملها، بما في ذلك إعادة بناء مستويات الانتاج، وتوظيف عاملين، وزيادة المخزون. ومع ذلك، أشارت بيانات أيار/ مايو إلى أن جهود التوظيف والمشتريات بدأت بالفعل في الانتعاش، على الرغم من تأثرها بارتفاع ضغوط التضخم.

وأكد أوين أن التركيز خلال الأشهر القليلة المقبلة سينصب على تعافي القطاع من هذه الأزمة. ومع ذلك، وبفضل استمرار قوة الطلب، تُعتبر الشركات في وضع جيد يسمح لها باستئناف نموها القوي بمجرد استعادة القدرة الانتاجية.

تُثبت دولة الامارات العربية المتحدة، بجهود متقنة، ريادتها على خريطة الاقتصاد العالمي، وتعزز مكانتها كمركز اقتصادي عالمي متميز، يعتمد على اقتصاد تنافسي متنوع ومستقر. وتجسّد السياسات المستقبلية المتعلقة بالتنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط التزام الامارات ببناء نموذج اقتصادي مستدام يحقق النمو والازدهار للأجيال القادمة. وتُثمر هذه الجهود عن نتائج إيجابية تتجلى في توقعات متفائلة لمؤشرات التنمية الاقتصادية الرئيسية، والتي تعكس مرونة الاقتصاد الاماراتي وصلابته.

شارك المقال