لا يمر يوم إلا ويشهد الرأي العام اللبناني سجالاً بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وهذا ما يُعبّر عن عمق الخلاف اللبناني ولا سيما بين فريقي الممانعة التي يمثّلها بري من جهة والمعارضة التي يمثّلها جعجع من جهة أخرى.
قد لا يعجب هذا الكلام كثيرين، ولا شك في أن الطرفين أي الممانعة والمعارضة يضمّان شخصيات وازنة لها تمثيلها وحضورها، لكن الواقع السياسي فرض المواجهة السياسية الاعلامية بين بري وجعجع على نحو واضح لجهة كثرة الردود على بعضهما البعض، حتى تكاد تكون هذه السجالات أشبه بحوار ظاهر أمام الرأي العام، وبالتالي يكشف طبيعة ما كان سيتحاور به الرجلان في المقرات الرسميّة، إذ بات معروفاً مضمونه، بحيث لا داعي لهذا الحوار، إذا كانت الرؤيتان للبنان متباعدتين إلى هذا الحدّ!
كل يوم تظهر الهوّة أوسع من اليوم السابق، وحتماً الطبق الأساسي لهذا السجال هو انتخاب رئيس للجمهورية، علماً أن بري وجعجع على الرغم من اختلاف نظرتهما الى الملف الأخير، لكنهما تمكّنا من الالتقاء في التشاور حول التمديد لقائد الجيش العماد جوزيف عون أولاً ثم التوصيات في ما يخص اللاجئين السوريين غير الشرعيين ثانياً. إلا أن ملف رئاسة الجمهورية، وعلى الرغم من وساطات اللجنة الخماسية والموفد الفرنسي جان ايف لودريان وكتلة “الاعتدال” والآن كتلة “اللقاء الديموقراطي”، يبقى عالقاً بين الرجلين، بل ان القواسم المشتركة ضئيلة إن لم تكن معدومة. ويبدو أن رئاسة الجمهورية معقّدة كثيراً، ويضع البطريرك بشارة بطرس الراعي إصبعه على الجرح عندما يصفها على هذا النحو، مؤكداً “أنها معقّدة لأن القوى السياسية تظنّ أن الرئيس الآتي سيكون الناظم لإعادة صياغة لبنان الجديد ولا بدّ من وضع شروط مسبقة عليه”.
حتماً هذا كلام خطير جداً ويُفسّر احتدام السجال بين بري وجعجع، وكل منهما يعتبرها معركة وجود، لكن في هذه المعركة توجّه ضربات تحت الحزام، فبري يعمل منذ عام وخمسة أشهر، من دون تردد، مع حليفه “حزب الله” على تعطيل الانتخابات الرئاسية وإلهاء الناس كل يوم بـ”خبرية” جديدة بعيدة عن الواقع والدستور، بدلاً من الدعوة إلى عقد جلسة انتخابات رئاسية مفتوحة بدورات متتالية كما كان يجب أن يحصل منذ اليوم الأول للاستحقاق الرئاسي وضمن المهلة الدستورية. والأسوأ من ذلك، يصرّ على بدعة من خارج الدستور إسمها “الحوار” يريدها أن تصبح عرفاً يسبق إتمام كل استحقاق ليكون الثنائي الشيعي كوصي على البلد، والعجيب الغريب أنه يتمسّك بمرشّح لا حظوظ له ولا تمثيل شعبي مسيحيّ كبير له، على الرغم من توصيات اللجنة الخماسية بإعتماد الخيار الثالث!
وخلفيّة بري و”الحزب” التي يُدركها جعجع هي رفضهما انتخاب رئيس وينتظران نهاية الحرب للمقايضات، والإصرار على الحوار هدفه الأساس تغطية الممانعة لموقفها التعطيلي.
كل ذلك، أدخل بري وجعجع في نقاش حاد حول صلاحية رئيس مجلس النواب، فبري يعتبر أن رئاسته تمنحه أن يكون ولي أمر النواب والكتل النيابية، وما يطرحه حول طاولة حوار رسمية تدعو إليها الأمانة العامة في مجلس النواب ويترأسها بري يعني أن كل الاستحقاقات الدستورية، بدءاً برئاسة الجمهورية، مروراً بتكليف رئيس حكومة، وصولاً إلى تأليف حكومة، تمرّ عن طريق طاولة الرئيس بري بالتحديد، وهذا مخالف للدستور، ويتناقض مع ميثاق العيش المشترك. فيما يعتبر جعجع أن مهمة بري والأمانة العامة لمجلس النواب محصورة بالدعوات إلى جلسة الهيئة العامة والعمل المجلسي، ولا علاقة لهما بتلاقي الكتل النيابية أو عدمه في الحوارات الجانبية، أو التشاور في أي موضوع أو خطوة تراها الكتل النيابية مناسبة.
من جهته، بري يتهم جعجع بالخفّة وعدم قراءة المتغيّرات الاقليمية وتوازن القوى، وبأن المسيحيين سيدفعون الثمن بحيث ستأتي التسوية على حسابهم كالعادة وفق ما حصل في مؤتمر الدوحة عام 2008، كما دعم الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله تعنّت بري وتحايله على الدستور بالكلام عن العددية، وهذا حتماً ما يرفضه جعجع وسيقاومه حتى الرمق الآخير. فالرجل معروف أنه لا يخاف المواجهة، وقد دخل بقدميه إلى المعتقل عندما انقلب النظام السوري على اتفاق الطائف، وحثّ مناصريه على النضال “من تحت سابع أرض” في وزارة الدفاع!
مرة أخرى، يشعر جعجع وأركان حزبه أن هناك من يحاول أن ينقلب على “الطائف”، ويُمارس منطق التعطيل المتواصل والشامل، ففقدت الدولة انتظامها العام، لذلك لم يبقَ جعجع مكتوف اليدين بل بات من حقه الكلام عن إعادة النظر بالتركيبة السياسية، لأن الوضع كما هو الآن “مش ماشي الحال”. لذلك، يُشهر بري في وجه جعجع سيف اتهامه بالفيدرالية والتقسيم، على الرغم من أنهما مختلفان، وجعجع لا يخجل بالكلام عن إعادة النظر بالتركيبة أو اللامركزية الموسّعة أو الفيدرالية، معتبراً أن هذا الأمر يُطرح من باب تطوير النظام ويُناقش بين جميع اللبنانيين، وعلى الأقل، جعجع لا يفرض خياراته على أحد إنما يطرحها للتوافق وهذا ما أكّد عليه مراراً وتكراراً.
عموماً استطاع بري وفريقه تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية وخلق ما يُسمى “الفوضى الدستورية”، لكن جعجع وفريقه نجحا في منع بري من انتخاب مرشّحه سليمان فرنجية، كما أنه يتناغم مع رؤية المجتمع الدولي الممثل باللجنة الخماسية للملف الرئاسي لجهة التشاور والخيار الثالث والجلسات المفتوحة بدورات متتالية. ويبدو أن كل محاولات بري في إتهام جعجع بعرقلة الانتخابات الرئاسية باءت بالفشل ولم تقنع أحداً.
في المحصّلة، تتجاوز القضية الأسماء والمشاعر الشخصية، إلى رسم خيارات لبنان بين دولة يريدها جعجع تحكمها المؤسسات والقانون وتؤمّن الاستقرار، ودولة يريدها بري يحكمها الثنائي الشيعي وتحوّل لبنان جبهة إسناد دائمة لمصالح إيران.
قد تُقرر الحرب الدائرة اليوم في غزة والجنوب اللبناني لمن ستكون الغلبة: بري أو جعجع، وهذا لا يعني أن جعجع يعتمد على اسرائيل والولايات المتحدة، إنما الواقع الذي ستفرزه الحرب سيفرض تنازلات على الفريق الخاسر، وخصوصاً لمن أقحم نفسه في الحرب أي “حزب الله” وخلفه بري.


