على الرغم من تفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة في سوريا منذ العام 2011، وتصاعد تحذيرات البنك الدولي من استمرار تدهور المؤشرات الاقتصادية كافة، إلا أن توقعات “بي.إم.آي” – شركة الأبحاث التابعة لـ “فيتش سولويشنز” – حملت معها بصيص أمل يتمثل في إمكان حدوث انتعاش اقتصادي ضعيف في العام 2024. فقد أشارت هذه التوقعات إلى نمو متوقع للاقتصاد السوري بنسبة 2.2 في المئة، بعد أن شهد انكماشاً حاداً بنسبة 5 في المئة في العام الماضي. وأوضحت الشركة البحثية في تقريرها أن ذلك يمثل مراجعة بالزيادة من توقعها السابق لنمو 1.7 في المئة، ويعود هذا التعديل إلى ارتفاع ملموس في الانتاج الزراعي لهذا العام وتوقعات “بي.إم.آي” باستقرار أكبر لليرة السورية.
وذكرت بأنّ هذا التعافي الطفيف يأتي بعد تراجع كبير في النشاط الاقتصادي، وذلك عقب الزلزال المدمر الذي ضرب شمال غرب سوريا في السادس من شباط/ فبراير 2023، مخلفاً دماراً واسع النطاق. ورأت “بي.إم.آي” أن جهود إعادة الاعمار، وإن كانت محدودة النطاق، ستُساهم في تحفيز بعض الأنشطة الاقتصادية في المناطق المتضررة. وبالاضافة إلى جهود إعادة الاعمار، توقعت الشركة انتعاشاً ملحوظاً في الانتاج الزراعي خلال العام الجاري، وذلك بفضل معدل سقوط الأمطار، الذي يزيد عن المتوسط خلال الموسم الزراعي 2023-2024، ما يُبشّر بموسم حصاد أفضل بعد سنوات متتالية من الجفاف.
كما أشارت إلى أن انخفاض الحاجة إلى استيراد المنتجات الزراعية قد عزز من التأثير الايجابي لتدفقات المغتربين على الليرة السورية، بحيث لم تشهد الليرة في السوق الموازية سوى انخفاض طفيف بنسبة 2.7 في المئة منذ بداية العام الجاري وحتى السابع من حزيران/ يونيو، وذلك بصورة معاكسة للخسارة الفادحة في قيمتها والتي بلغت 52.1 بالمئة في العام 2023.
انتعاش هش
وعلى الرغم من مؤشرات التحسن هذه، لا تزال توقعات النمو في سوريا هشة إلى حد كبير، وحتى مع مراجعة توقعات النمو بالزيادة، سيظل الاقتصاد السوري دون 60 في المئة من مستواه قبل الحرب في العام 2010 وفقاً لـ”بي.إم.آي”. كما أن الحرب والاضطرابات الاجتماعية ستبقى عوامل رئيسية معرقلة للاستقرار الاقتصادي.
وحذّرت “بي.إم.آي” من أن ضعف المساعدات والعقوبات المفروضة على سوريا قد يعوقان الآفاق الاقتصادية للبلاد بصورة أكبر. ففي أحدث مؤتمر للمانحين الذي عُقد في أيار/ مايو الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي عن تقديم مساعدات مالية بقيمة 7.5 مليارات يورو (8.1 مليارات دولار) للسوريين المتضررين من الحرب والفقر والجوع. وستُقدم هذه المساعدات على شكل منح وقروض على مدار عامي 2024 و2025. كما جدّد التزامه بتقديم 2.3 مليار دولار لدعم الجهود الانسانية في سوريا خلال العامين أيضاً، ويشمل هذا التعهد 560 مليون يورو تم تخصيصها بالفعل هذا العام للسوريين النازحين داخل سوريا، واللاجئين في لبنان والأردن والعراق. وسيخصص المبلغ نفسه للعام 2025، إلا أنه لا يزال أقل بكثير من تلبية الاحتياجات الهائلة للسكان.
بالاضافة إلى ذلك، ستُواصل العقوبات الصارمة التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها على سوريا تقييد تدفقات رأس المال الأجنبي وعرقلة النشاط الاقتصادي في البلاد.
مخاطر متصاعدة
الشركة البحثية لم تخفِ بأن المخاطر المحيطة بتوقعاتها للنمو تميل نحو الانخفاض جراء احتمالات تفاقم التحديات الأمنية؛ إذ إن من شأن أي تصعيد للحرب بين إسرائيل و”حماس” أن تكون له تبعات خطيرة على الاقتصاد السوري، سواء بوقوع أضرار جسيمة على البنية التحتية السورية أو آثار غير مباشرة كحدوث تباطؤ اقتصادي للدول المجاورة مثل لبنان.
وأكدت أيضاً أن أي تفاقم للصراع في مناطق استراتيجية مثل إدلب أو شمال شرق سوريا أو السويداء سيُشكل عوائق كبيرة أمام تحقيق النمو الاقتصادي.
يعتمد تحفيز الاقتصاد، وفقاً للتقرير، على إعادة إحياء جهود إعادة الاعمار، والانتعاش الملموس في الانتاج الزراعي، نظراً الى أهمية قطاع الزراعة المحوري في الاقتصاد، خصوصاً في ما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي، بحيث تُشكل الأراضي الزراعية حوالي 32 في المئة من مساحة البلاد. ويُعد هذا القطاع مصدر رزق لأكثر من 20 في المئة من القوى العاملة في سوريا، ويساهم بنسبة 19 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للبلاد عام 2011. اليوم ومع مرور أكثر من عقدٍ من الزمن على الصراع الدائر، يواجه القطاع الزراعي تحديات هائلة لإعادة البناء في ظلّ الأضرار الجسيمة التي تعرّض لها والظروف الاقتصادية الصعبة التي تُقاسيها البلاد، إذ تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” إلى أنّ الخسائر في هذا القطاع قد وصلت إلى 16 مليار دولار.
على صعيد إعادة الأعمار، قدّر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية في سوريا خلال السنوات الأربع الأولى للحرب بـ 226 مليار دولار. ويُعادل هذا الرقم الفائض أربعة أضعاف الناتج المحلي الاجمالي لسوريا في العام 2010. ووفقاً لتقديرات البنك الدولي أيضاً، تتطلب إعادة إعمار سوريا مبالغ ضخمة تُقدّر بـ 7.9 مليارات دولار على مدار 3 سنوات. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإعادة الإعمار، إلا أن هذه العملية تواجه تحديات معقدة متعددة، بدءاً من العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، مروراً بعدم الاستقرار والتوافق السياسي، وصولاً إلى نقص التمويل؛ الأمر الذي من شأنه أن يعرقل تقدمها ويُهدد بتفاقم الأزمة وفرملة عجلة النمو والتعافي في حال عدم التعاون المحلي والدولي لمواجهة هذه العقبات.


