لم تُكشَف معلومات كثيرة عن زيارة الموفد الأميركي آموس هوكشتاين إلى اسرائيل ولبنان، لكن القليل منها يُظهر خطورة الوضع على الحدود، بل ان زيارته إلى المنطقة في هذا التوقيت هي رسالة بحد ذاتها، مع اقتراب نهاية العمليات العسكرية الاسرائيلية المفتوحة والواسعة في غزة، وإعلان المسؤولين الاسرائيليين عن الرغبة في حسم الأمر عسكرياً على الجبهة الشمالية مع لبنان.
ولم يخفِ هوكشتاين بعد لقائه الرئيس نبيه بري في لبنان قلق الولايات المتحدة الأميركية من الوضع الخطر والحرج على الحدود، وتكشف مصادر مطلعة أن مخاوف هوكشتاين زادت بعد زيارته اسرائيل ولقائه المسؤولين هناك.
ليست المرة الأولى التي يأتي فيها هوكشتاين إلى لبنان للتخفيف من التصعيد الذي تضاعفت وتيرته في الآونة الأخيرة، وقد نجح في المرات السابقة في سحب فتيل الانفجار الكبير. وترى المصادر أن “مهمته هذه المرة أصعب لأن الوقت بدأ يضيق، والمهلة التي أعطاها المسؤولون الاسرائيليون ليتراجع الحزب إلى ما وراء الليطاني تكاد تنتهي، وردوده العسكرية تزداد عنفاً وحدّة، ما لا تتحمّله اسرائيل، وهذا ما سمعه هوكشتاين هناك، لذلك أبلغ المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم أن الحرب وشيكة بالمفهوم الواسع إن لم ينفّذ الحزب القرار 1701، وعلى الأقل، الانسحاب نحو الليطاني، إلا أن الأجواء التي خرج فيها لم تكن مُطمئنة، لأن الحزب لا يزال مصراً على ربط جبهة الجنوب اللبناني بجبهة غزة، ويشترط وقف الأعمال القتالية هناك، لوقف اطلاق النار في الجنوب والبدء بالمفاوضات الحدودية، تلك هي كلمة السر”.
والمفارقة أن خطة الرئيس الأميركي جو بايدن لو تمت الموافقة عليها من اسرائيل و”حماس”، لكانت سهّلت لهوكشتاين مهمته وأرضت “الحزب”، فتتراجع الأعمال العسكرية على الحدود اللبنانية- الاسرائيلية. وتؤكّد المصادر أن “هوكشتاين حاول حثّ المسؤولين الاسرائيليين على المضي في خطة بايدن، إلا أن الحسابات الداخليّة الاسرائيلية من جهة، وعدم رضى حماس الكامل من جهة أخرى، تحول دون السير بخطة الرئيس الأميركي الذي أوشك على نهاية عهده”. علماً أن خطة بايدن، تقضي بوقف إطلاق النار، تبادل الرهائن والأسرى والبدء بإعادة إعمار غزة.
وعلى الرغم من جولة هوكشتاين الهادفة الى التهدئة، بدا الميدان العسكري مفصولاً تماماً، وخصوصاً من جهة اسرائيل التي بقيت عملياتها تصعيدية، فيما “الحزب” كان أكثر انضباطاً، وقد يكون هذا الأمر هدوء ما قبل العاصفة، وستظهر نتائج مدى نجاح زيارة هوكشتاين أو اخفاقها في الأيام المقبلة عبر منسوب المواجهات على الحدود.
واللافت أن هوكشتاين أبدى قلقه للمسؤولين اللبنانيين، وتحديداً بري من تدهور الأوضاع على الحدود أكثر، وفق المصادر، وخصوصاً أن سوء التقدير من الطرفين قد يقود إلى حرب مجنونة لا أحد في الحقيقة يريدها، وربما يعتمد “الحزب” في مفهومه للربح والخسارة، على صمود “حماس” الأقل تجهيزاً منه في مواجهة الجيش الاسرائيلي في غزة. وتعتبر المصادر أن “هذا المفهوم حتماً غير دقيق، لأن الحزب لا ينظر إلى كل الصورة، وخصوصاً أن المدنيين الفلسطينيين دفعوا الثمن الأكبر وتكاد غزة تزول عن الخريطة، وهذا ما ينتظر لبنان أيضاً إذا توسّعت الحرب”.
لا يجوز لـ”الحزب” الإفراط بالثقة في النفس، وتستطرد المصادر: “حتى ولو كان في ترسانته أكثر من 200 ألف صاروخ و100 ألف مقاتل، وخصوصاً أن ايران بنت هذه الترسانة لردع اسرائيل عن مهاجمة ترسانتها النووية فيكون الحزب الخط الدفاعي الأول وليس لاستخدامها في جبهة إسناد، وهذا ما يُفسّر زيارات المسؤولين الايرانيين المتتالية كي لا يهدر الحزب ترسانته في حرب عبثية ومن دون هدف”.
تشعر الادارة الأميركية أن الوقت بدأ ينفد، وهناك تزايد للأعمال العسكرية على طرفي الحدود بين لبنان واسرائيل. وتلفت المصادر إلى أن “ما استنتجه هوكشتاين من زيارته أن المواقف المتناقضة بين المتنازعين أي اسرائيل والحزب لم تتغيّر، فالأولى تطالب بتطبيق فوري للقرار 1701، والثاني يشترط وقف إطلاق النار في غزة”.
ليس واضحاً حتى الآن بأن هوكشتاين أوصل رسالة إلى المسؤولين اللبنانيين مفادها “اللهم اشهد أنني بلغت”، وبأن الحرب أصبحت حتميّة وتنتظر ساعة الصفر الاسرائيليّة، وتشير المصادر إلى أن “ساعة الصفر قد لا تكون قريبة كما يزعم بعض المحللين، وهذا لا يعني أن التصعيد سيتراجع، بل كلّما مر وقت، سيزداد، ويبدو أن ساعة الصفر ستكون مع بداية العام الدراسي المقبل في الأول من أيلول، أو ربما ستستفيد اسرائيل من عنصر المفاجأة في الأسبوعين المقبلين، عبر البدء بهجوم مفاجئ يستهدف جميع مخابئ الأسلحة والصواريخ بعيدة المدى في بعلبك، في جنوب لبنان، ثم الزجّ بقوات برية في الجنوب قد تصل إلى نهر الليطاني”.
وتكشف المعلومات التي أفادت بها المصادر المطلّعة أن “هناك خطوطاً حمراً وضعتها واشنطن لاسرائيل في حال قيامها بهجوم عسكري كتجنّب قصف البنية التحتية المدنية والعسكرية للدولة اللبنانية المُنهكة أصلاً وتحديداً العاصمة بيروت، أي عدم تكرار تجربة غزة في لبنان”.
على الرغم من كل شيء، لا تزال اسرائيل تتهيّب البدء بحرب مع لبنان من دون موافقة واشنطن، وخصوصاً أن أي عملية محدودة يمكن أن تتدهور إلى صراع أكبر، وهو صراع يمكن أن يؤدي أيضاً إلى جر فصائل أخرى من “محور الممانعة” بقيادة إيران من جهة، وجرّ الولايات المتحدة إلى مزيد من التورّط في المواجهة مع إيران وفصائلها في المنطقة من جهة أخرى.
وتوضح المصادر أن “الحزب لا يفاوض هوكشتاين بواسطة بري إلا بضوء أخضر إيراني، وخصوصاً أن النظام الايراني لا يريد أن تتوسّع الحرب، لتصبح إقليمية، لذلك فإن القنوات الخلفية للاتصالات بين إيران والولايات المتحدة لا تزال مستمرة عبر السفارة السويسرية في طهران واجتماعات سرية في عمان لتحقيق هذا الهدف، وزيارة هوكشتاين تصب في هذه الخانة”.
لا شك في أن الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كان العد العكسي قد بدأ أو أن هوكشتاين نجح في نزع فتيل الإنفجار ولو مؤقتاً، على الرغم من شعور كثيرين بأن الأمور تزداد تعقيداً ورائحة البارود تملأ الأجواء!


