حسام زكي… هل نطق باسم العرب؟

أنطوني جعجع

ماذا تريد جامعة الدول العربية تحديداً في ما يتعلق بملفات العرب خصوصاً وملفات الشرق الأوسط عموماً، في وقت لا تذهب الى الحرب كما يريد الممانعون ولا تسعى الى السلام كما يريد المعتدلون، ولا تتخذ رأياً تتمسك به أو تتخلى عن رأي لا تعود اليه؟

هذا هو الانطباع اللبناني والاقليمي والدولي الذي ساد بعد تراجع الأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي عن تصريح سابق ملتبس سحب فيه “حزب الله” من لائحة المنظمات الارهابية، من دون أن يتمكن من تعديل الجو العام المقتنع بأن الرجل الذي التقى النائب محمد رعد قد سحبه فعلاً، مرجحاً أن ثمة شيئاً ما أرغمه على التراجع والتذكير بأن جامعة الدول العربية لا تؤيد أساليب الارهاب ولا تتعامل مع المنظمات الارهابية.

والواقع أيضاً، أن الرجل جعل الجامعة العربية تبدو، من حيث تدري أو لا تدري، شريكة لايران في الغاء أو تجاهل الدول المعنية بمنظمات أمنية وعسكرية تديرها ايران من عقر دارها باعتبارها صاحبة القرار الأوحد أو الأكثر رجحاناً في الكثير من الشؤون الجوهرية.

اذ ليس سراً في هذا المجال أن التيارات التي تدور في فلك ايران تتصرف وكأنها “مقيمة” في دولها الأم، وليست جزءاً من سكانها أو من حدودها أو من مصالحها أو من موقعها بين الدول الحرة والسيدة.

وفي تفسير أوضح، نادراً ما نسمع أن ما يدور في الجنوب هو حرب بين اسرائيل ولبنان بل حرب بين اسرائيل و”حزب الله”، وقليلاً ما نسمع عن قتال بين أميركا وكل من العراق واليمن، بل بين أميركا و”الحشد الشعبي” في بغداد والحوثيين في صنعاء، وقليلاً جداً ما نسمع منذ تسعة أشهر عن حرب بين اسرائيل وفلسطين بل بين اسرائيل وكل من “حماس” و”الجهاد الاسلامي”.

انه الالغاء المقنع الذي تمارسه ايران ضد الدول التي تحتضن أنصارها وأحزابها وسلاحها وقرارها الاستراتيجي، لا بل الدليل القاطع على أن هذه الدول باتت مقتنعة سواء قسراً أو عفواً، بأنها رهينة هذا الواقع وعاجزة عن القيام بأي عمل عسكري أو شعبي أو سياسي يمكن أن يغيّر هذه المعادلة التي تجعل ايران “امبراطورية” غير معلنة.

والواقع أيضاً أن العالم نفسه بات ينظر الى هذه الأحزاب على أنها أقوى من مؤسساتها الرسمية، وأن زعماءها هم أقوى من حكامها الشرعيين، والفريق الصالح والوحيد لأي مفاوضات أو مبادرات أو تسويات، معتبرة الدول التي تحتضنها مجرد وسطاء تجوز زيارتهم بحكم اللياقة البروتوكولية من جهة وبحكم الحاجة الى نقل الرسائل وتدوير الزوايا من جهة ثانية.

وليس من قبيل المصادفة مثلاً أن يتفاوض المندوب الأميركي آموس هوكشتاين مع رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو بصفته صانع القرار العسكري في بلاده، ويتفاوض في لبنان مع الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي ليس بصفتهما أصحاب الربط والحل، بل بصفتهما سعاة بريد بين تل أبيب وواشنطن من جهة والضاحية الجنوبية وطهران من جهة ثانية، وهو ما ينسحب على بغداد وصنعاء عندما تتفاوض أميركا مع الحكومة العراقية لتهدئة “الحشد الشعبي” أو مع مقربين من طهران لتأمين الملاحة الحرة والآمنة في البحر الأحمر.

وانطلاقاً من هذا المشهد غير القابل للجدل، يتبين أن ايران لم تسيطر على أربع عواصم عربية وحسب، بل تمكنت من الغاء أربع دول عربية وجعلها مجرد أسماء على الخريطة العالمية، وهو ما يفسر الأسباب التي تدفع العالم الى فرض عقوبات على أفراد ومؤسسات ومنظمات وليس على أي من الدول التي تحتضنها، لا انطلاقاً من حسن نيات بل انطلاقاً من تحاشي الضرب العشوائي في كل مكان.

وانطلاقاً من هذا المشهد أيضاً، فقد أوحى تصريح زكي أن الجامعة العربية ضربت عرض الحائط بما اقترف “حزب الله” من جرائم وتجاوزات بدءاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري وطعن السنة في صميمهم، وانفجار مرفأ بيروت وضرب المسيحيين في بيوتهم وشوارعهم ومشافيهم وأحيائهم، مروراً بغزوة “السابع من أيار” في بيروت والجبل، والحملات التخوينية على عرب الخليج، وصولاً الى تفجير حرب يمكن، في حال اتساعها، أن تدمر لبنان على رؤوس أبنائه.

والسؤال هنا، ماذا جاء يفعل حسام زكي اذاً في لبنان؟ هل قصد شيئاً ما وظهر شيء آخر؟ هل قصد الوقوف مع “حزب الله” في مواجهة بنيامين نتنياهو الذي يلوح بحرب شاملة لا توفر شيئاً في لبنان؟ هل قصد تجاهل أميركا ونحو سبع وخمسين دولة أجنبية تعتبر “حزب الله” منظمة ارهابية وتلاحق خلاياه ومؤسساته في كل مكان؟ هل قصد تجاهل دول عربية ذاقت من “حزب الله” أعمالاً أمنية متنوعة، وبينها الكويت والبحرين والسعودية والامارات، وأعمالاً تآمرية وبينها المغرب الذي يخوض صراعاً مريراً مع جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية، أم أنه كان يحمل ضوءاً أخضر من دول عربية تسعى الى استيعاب “حزب الله” تماماً كما حاولت ولا تزال تحاول أن تفعل مع الرئيس بشار الأسد الذي لم يكن على قدر وعوده، ولم يعط المنفتحين عليه في حجم ما أخذ؟

والجواب أيضاً وأيضاً أن زكي قطع الطريق على هذه التساؤلات بعدما كاد يضع جامعة الدول العربية في مواجهة القسم الأكبر من العالم، من دون الحصول على ما يمكن أن ينصر العرب على أعدائها، أو ما يمكن أن يقلل من هواجس العالم حيال بعض العرب.

ومهما يكن من أمر، يلمح مطلعون الى أن ضغوطاً أميركية واقليمية مورست في اللحظة الأخيرة على زكي والجامعة العربية بعد ظهور محاولات عربية لاسترضاء ايران من باب الاحتياط في حال توسعت الحرب في المنطقة، أو ربما اعطاء حسن نصر الله “نصراً معنوياً” يحد من عدائيته من جهة وتعويمه في الداخل من جهة أخرى، والاقرار كما المجتمع الغربي، بأن “حزب الله” هو لبنان وأن لبنان هو “حزب الله”، وأن أي تجاهل لهذه الحقيقة ليس الا نوعاً من مكابرة ليست في محلها على الاطلاق.

ومهما يكن من أمر أيضاً، لننتظر، يقول ديبلوماسي غربي، فالجامعة العربية ليست الأمم المتحدة وليس فيها من يملك حق النقض أو من يملك القدرة على فرض القرارات، وبالتالي فإن رد الفعل حيال ما فعله زكي، سواء قصداً أو عفواً، لا يمكن أن يكون سريعاً أو متسرعاً كما كاد يكون الفعل الذي أعطى “حزب الله” في السياسة ما قد يصعب الحصول عليه في الميدان.

شارك المقال