اهتمام واشنطن بالجيش اللبناني وقائده جزء من التسوية المقبلة!

جورج حايك

ليست الحرب المصغّرة الدائرة في الجنوب اللبناني بين اسرائيل و”حزب الله” سوى عاصفة تسبق الترتيبات التي ستُطبّق على الحدود عاجلاً أم آجلاً، وسيكون للجيش اللبناني وقائده جوزيف عون دور مهم فيها، ولا يختلف إثنان على أن الاهتمام الأميركي بدعم الجيش هو دليل واضح على هذا الأمر، ولو بدا أن الولايات المتحدة الأميركية منهمكة في الانتخابات الرئاسية في الخريف المقبل.

لكن الوضع الخطير في الجنوب اللبناني لا يمكنه أن ينتظر انتخاب رئيس أميركي جديد وبدء درس ملفاته الداخلية والخارجية، علماً أن الموفد الديبلوماسي الأميركي آموس هوكشتاين توصّل في زياراته إلى شبه تفاهم مع الرئيس نبيه بري على تطبيق القرار 1701 ثم حلّ الأزمة الحدودية بين لبنان واسرائيل. لكن ربط “حزب الله” جبهة الجنوب بحرب غزة، أرجأ المفاوضات وباتت الكلمة للميدان وسط التهديدات المتبادلة بين اسرائيل و”الحزب”.

عموماً، لم تتوقّف الادارة الأميركيّة عن استقبال العماد جوزيف عون للبحث في سبل تقديم المساعدات للجيش، وتشير المعطيات من واشنطن إلى أن هذه المساعدات لم تتوقّف على مدار الأعوام الأخيرة، بل تضاعفت نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية التي مرّ بها لبنان، ولولا الدعم المالي والعسكري، لكان الجيش إنضم إلى المؤسسات الرسمية الدولية المنهارة.

واللافت أن تقريراً سياسياً داخلياً غير مُعلن حصلنا عليه من مركز دراسات أميركي تستعين به دوائر القرار في الولايات المتحدة يكشف الرؤية الأميركية للجيش ودوره وارتباطه بالتسوية الحدودية المقبلة بين اسرائيل ولبنان. ويتحدّث التقرير عن مضمون هذه التسوية التي أصبحت معروفة وتقضي بوقف متبادل لإطلاق النار، وانسحاب “حزب الله” مسافة 10 كيلومترات من الحدود، ونشر حوالي 15 ألف جندي من الجيش اللبناني بالقرب من الحدود الجنوبية، وبدء مفاوضات الحدود البرية. ويُركّز التقرير على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وقدرة الجيش اللبناني على تحمّل “المسؤولية” لوضع الترتيبات موضع التنفيذ. لكن في ظلّ هيمنة “الحزب” يطرح التقرير تساؤلات عدة حول استعداد الجيش المؤلف من عسكريين من كل الطوائف اللبنانية ليطبق الخطوط العريضة عملياً، وقد يكون المشهد ضبابياً لأن لبنان يعاني من شغور رئاسي ومؤسساته شبه مشلولة، وبالتالي السؤال الأكبر: من سيشكّل غطاءً سياسياً للجيش في هذه العملية؟

ويبدو أن المخاوف الأميركية التي وردت في التقرير تنطلق من تجربة عام 2006، حين انتهك “الحزب” بصورة علنية ومستمرة الشروط المتفق عليها في القرار 1701، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، الذي دعا إلى تفكيك جميع الميليشيات العسكرية في لبنان. علماً أن الجيش اللبناني، بمساعدة “اليونيفيل”، عجز سابقاً عن منع “الحزب” من خرق القرار.

ويتوقّف التقرير البالغ الأهمية عند معادلة “الحزب”: “جيش وشعب ومقاومة”، والهدف منها إضفاء شرعية على احتفاظه بسلاحه، وهنا تبرز الهواجس الأميركية لجهة استيلاء “الحزب” على الجيش اللبناني، وهذا ما يثيره المسؤولون الأميركيون على الدوام مع الممثلين الرسميين للسياسة اللبنانية.

لهذه الأسباب، يؤكّد التقرير أن الأميركيين يقدّمون للمؤسسة العسكرية الشرعية ما يكفي لتبقى قائمة ولا تنهار، إلا أن المساعدات من الناحية العسكرية لا يمكن أن تكون نوعيّة وعالية المستوى بسبب وجود “الحزب” إلى جانب الجيش، وهو يعتبر نفسه الوكيل الحصري للدفاع عن لبنان، فيما تكثر الشكوك حول مشروعه المرتبط بالجمهورية الاسلامية الايرانية والدفاع عن مصالحها في كل الميادين.

ويتطرق التقرير إلى العوامل الديموغرافية في تركيبة الجيش اللبناني نتيجة التغيّرات في التركيبة السكانيّة، وواشنطن تراقب عن كثب هذه النقطة وقد برزت مؤخراً في الكلية الحربية، بحيث تتجه أعداد المسيحيين المنضمين للجيش إلى التراجع، فيما هناك صعود في عدد العسكريين المسلمين وخصوصاً الشيعة، وهذا ينعكس على التوازن الوطني في الجيش ما يثير القلق، وقد يزيد من نفوذ “الحزب” في الجيش، وفق التقرير الأميركي.

ويبدو هذا الأمر محط أنظار بعض الفعاليات السياسية في واشنطن، التي بدأت تتساءل عن إمكان ولاء بعض العسكريين الشيعة لـ”الحزب” ايديولوجياً وطائفياً وعائلياً، واحتمال أن يتعاطفوا مع حروبه المتعددة.

ويتضمن التقرير معلومات متراكمة نتيجة المتابعة الدقيقة للأميركيين بشأن سيطرة “الحزب” على المحكمة العسكرية وتأثيره في المخابرات، عبر ضباط شيعة متمركزين في هذه الأجهزة. ولا يغيب عن التقرير، قدرة “الحزب” على التأثير على قرارات الحكومة في ما يخص التعيينات في المؤسسة العسكرية.

على الرغم من كل هذه الملاحظات الواردة في التقرير إلا أنه يصل إلى خلاصة بأن الولايات المتحدة ستستمر في رهانها على الجيش، وهذا ما سمعه قائده في زيارته الأخيرة إلى واشنطن منذ شهر، بحيث اطمأن إلى أن الدعم سيتواصل من واشنطن وخصوصاً لجهة تأمين رواتب العسكريين بمختلف رتبهم، بينما ستُكمل قطر مساعداتها في ايصال المواد الغذائية الى عناصر الجيش. وحتماً كل ذلك، قد يعزّز عمليات التطوّع في الجيش من مختلف الطوائف.

ويختم التقرير الأميركي بأنه مهما كانت الترتيبات المستقبلية للحدود اللبنانية الاسرائيلية سيكون دور الجيش محورياً، والولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون يُدركون أنه كلّما كَبِرَ دور الجيش سينكفئ “حزب الله”، تمهيداً لوضع استراتيجية دفاعية تتفق عليها القوى السياسية اللبنانية تحصر عملية الاستحواذ على السلاح بالجيش اللبناني وهو الحامي الشرعي الوحيد للسيادة اللبنانية.

شارك المقال