“أعظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين (ع) وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمّد (ص)”.
تناول بعض المسلمين الشيعة نص التغريدة السابقة في ذكرى استشهاد سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، واللافت فيها – أي التغريدة ومن نشرها – هو المطالبة بالثأر، لذلك وجبت الإشارة إلى بعض الحقائق.
أولاً، مطالبة التغريدة وأصحابها بالثأر للحسين لا القصاص، أمر مروع، فالثأر دعوى جاهلية لا تمت الى الإسلام بصلة ولا الى الأخلاق ولا الى منطق الدولة، وهو ما يتنافى مع الأخلاق المحمدية ورمزية أهل بيت النبوة. فالثأر تقوم به قبيلة أو جماعة أو فرد على أساس الظن لا القطع ومن دون دليل – وربما بلا منطق – ضد شخص أو جماعة تم اتهامهم بارتكاب الجريمة، في حين أن القصاص لا تقوم به إلا الدولة من خلال معاقبة الجاني بمثل ما فعل بعد محاكمة عادلة تثبت يقيناً أن المتهم ارتكب الجريمة واستحق تطبيق القصاص عليه وفق مبدأ “شخصية العقوبة”، فلا تقع عقوبة الجريمة إلا على من ارتكبها أو اشترك فيها اشتراكا عمدياً.
“الثأر” من صور الإفساد في الأرض التي ترفضها الأديان والأخلاق والقوانين، بينما “القصاص” هو من صور العدالة التي من أجلها قامت الدول وسعى لها الصالحون والأسوياء.
ثانياً، لقد وقعت مقتلة الحسين – رضي الله عنه – قبل نحو 1385 سنة، وقد لاقى القتلة كلهم جزاءهم الأرضي أو السماوي، فالخليفة يزيد بن معاوية مات منبوذاً مكروهاً بعد أن ثار عليه أغلب المسلمين، أما عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير وسنان بن أنس وخولي بن يزيد ومالك بن بشر وغيرهم كلهم فقتلهم المسلمون، وبالتالي فدعوة القصاص والثأر في زمننا هذا بعد هذه الحقائق دعوة مغرضة لا تثير سوى السخرية والاشمئزاز.
ثالثاً، في وقت مقتلة الحسين – رضي الله عنه – والقصاص من قتلته الملاعين، لم تتشكل البنية المذهبية للشيعة، بل كان المسلمون كلهم سنة، وبالتالي فتصوير ما جرى – ولو مواربة – على أن السنة هم قتلة الحسين بينما الشيعة أنصاره محض افتراء وتزوير، بل إن مؤسسي الذاكرة السنية من المؤرخين كالطبري والسيوطي كان موقفهم حاسماً لمصلحة الحسين وليس أبداً لمصلحة قتلته، وأجاز فقهاء السنة لعن القتلة، ومن لم يجز اللعن فعل ذلك لا لصلاح القتلة بل بسبب عدم جواز اللعن أصلاً عند كثر.
رابعاً، إن الافتراء والتزوير يمكن أن يقودا إلى نتائج عكسية، إذ يمكن القول ان الشيعة من أهل العراق دعوا الحسين – رضي الله عنه – لمبايعته وحين سار إليهم قتلوه، ثم ندموا على ذلك وظهرت حركة التوابين، لكننا كما قلنا سلفاً، في ذلك الوقت لم يكن للشيعة بناء مذهبي وطائفي مكتمل وخاص، وبالتالي فهذا التدليس لا مكان له في الواقع، إلا إذا سُرِدت الرواية مع اعتبار الشيعة آنذاك جماعةً سياسية أو حزبية.
خامساً، إن الحسين – رضي الله عنه – ليس رمزاً طائفياً أو مذهبياً، لأن المسلمين كلهم يحبون النبي وأهله وآله، ومن لا يصلي على النبي وآله في الصلاة لا صلاة له سنياً كان أو شيعياً، وبالتالي فإن أدلجة مكانة آل البيت ومحبتهم فيها تصغير من شأنهم بدل التقدير، وفيها استغلال ومتاجرة بمكانتهم بدل التوقير والاحترام.
سادساً، ليس في إحياء ذكرى كربلاء أصل ديني، فقد عايش المسلمون مآسي كثيرة منذ نشأة دينهم. في زمن الرسالة كان استشهاد عم النبي حمزة بن عبدالمطلب (سيد الشهداء) – رضي الله عنه – خلال هزيمة معركة أُحد، وبعد الرسالة كان استشهاد الخلفاء عمر وعثمان وعلي – رضي الله عنهم جميعاً – إضافة إلى استشهاد سيدنا الحسين، ولم يجد المسلمون نصاً قرآنياً ولا توجيهاً نبوياً يأمر بإيقاف الحياة أو إعادة تشكيل الإسلام بسبب مقتل سيدنا حمزة أو غيره، بل إن الذي حصل هو العكس، فقاتِلُ حمزة (وحشي) أسلم فيما بعد، وكان له دور مشهود في حروب الردّة. أما استشهاد الخلفاء الثلاثة فكان تأثيره وقتياً وطبيعياً تماماً كالوقائع التي سبقته ولحقته. ولا نجد في كتب السيرة إشارة إلى الحزن سوى في عام الحزن، أي السنة العاشرة من البعثة، وفيها ماتت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها – وعمُّ النبي أبو طالب – رضي الله عنه – واشتد أذى كفار قريش على المسلمين، وما نستفيده من ذلك العام أن الرسالة لم تتوقف، وأنه إذا كان هناك أمر بالحزن فأقصاه عام وليس 1400 سنة أو بلا نهاية، فمن طبيعة الإنسان أن يستذكر المناسبات السعيدة ساعياً إلى تكرارها، أما استذكار المآسي والتكلس عندها فليس فيه منطق ولا فطرة.
سابعاً، هناك ألف طريقة لإظهار التقدير والمودة لآل بيت النبي، ومن ذلك الاحتفال بمولدهم، والاقتداء بأخلاقهم، والدعاء لهم، ومنع استخدامهم سياسياً للتفرقة بين المسلمين، وعمل الصالحات والخيرات تحت رايتهم لا إطلاق أسمائهم على ميليشيات خبيثة.
ثامناً، إن مقتلة الحسين – رضي الله عنه – مأساة مكتملة الأركان، لكنها تزداد تعقيداً عند من يحيونها، فقد استمرت الدولة الأموية عقوداً بعد هذه الجريمة المروعة والنكراء، وقامت بعدها دولة بني العباس التي قالوا فيها: يا ليت جور بني مروان عاد لنا.. وأن عدل بني العباس في النار. وربما هذا ما جعل بعضهم ينظر – لأسباب غير معقولة بالطبع – إلى أغلب دول العرب والمسلمين اليوم كامتداد لتلك الدول “المعادية”، وهذا التصور السياسي هو صدى بديهي لتصور تاريخي – عقائدي، مفاده أن الرسول أوصى بالخلافة لعلي، لكن أغلب الصحابة والمسلمين غدروا بالوصية النبوية مخالفة او إنكاراً أو صمتاً، وبالتالي فهم أعداء ودولتهم عدوة، وامتدت العداوة والمعاداة ضد الدولة (أو الدول) وضد الأغلبية إلى حاضرنا المعاش.
تاسعاً، لقد أساء الإسلام السياسي “السني” إلى الإسلام والمسلمين والإنسانية، وزاد عليه الإسلام السياسي “الشيعي” بالإساءة إلى آل بيت النبي والتحالف مع أنظمة تسير على منهج يزيد – مثل نظام بشار الأسد – لا على منهج الحسين في مفارقة مذهلة، ومما لا شك فيه أن الإسلام السياسي “السنّي” ليس هو السنة، والإسلام السياسي “الشيعي” ليس هو الشيعة، والقاسم المشترك بين الإسلامين السياسيين هنا هو إنتاج الإرهاب.
عاشراً، بناء على تحالفات الإسلام السياسي الشيعي غير المتناسقة نشاهد أن من بين من يحيون كربلاء بسبب المصلحة شخصيات (من ديانات أخرى أو بلا دين) لا تقيم احتراماً للإسلام أو لنبيّه، وبالتالي فمشاركتهم لا يمكن أن تكتسب قيمة بما في ذلك القيمة الدعائية، لأن تعظيم علي والحسين لا معنى له من دون تعظيم النبي، الشخصية المحورية الوحيدة في الإسلام والتي لا يقترب من مكانتها ولا يعلو عليها أحد من الخلق، وأهمية آل البيت تكمن في نسبتهم إليه لا في نسبته إليهم، ولا معنى لمودة آل البيت الذين تحدث عنهم القرآن بإيجابية من دون مودّة أمهات المؤمنين والصحابة الذين تحدث عنهم أيضا القرآن والنبي بإيجابية، لذلك فإن تسويق شخصيات أو مشاركات تقدم آل البيت على النبي أو تقدّر آل البيت مع الانتقاص من الصحابة وأمهات المؤمنين لأغراض طائفية أو مذهبية أو سياسية هو إساءة مباشرة الى صميم الدين الإسلامي.
خلاصة القول، ليست الثورة الحسينية أو الكربلائية أول ولا آخر ثورة موؤودة في تاريخ المسلمين (ثورة ابن الأشعث وابن جبير) أو في تاريخ العالم (تشي جيفارا)، لكن فظاعتها إسلامياً كامنة في مقام الشخصيات المقتولة.
إن فكرة إحياء ذكرى كربلاء ابتدأت ندماً ممن خذلوا سيدنا الحسين، ثم جرى استغلالها سياسياً بعد ذلك بقرون للتحريض على “الدولة” وعلى السنة في الزمن الحاضر بحكم أن كل قتلة الحسين تم الاقتصاص منهم بشكل أو بآخر في الزمن الماضي، وها هي الجمهورية الإسلاموية الإيرانية وميليشياتها حولت كربلاء إلى نسخة موازية من الهولوكست، فتحت غطاء المحرقة تقتل إسرائيل من الفلسطينيين ما شاءت، وتحت غطاء كربلاء تقتل إيران ما شاءت من العرب والمسلمين، والحسين من ذلك براء.
عاش الإسلام السياسي الشيعي أغلب التاريخ الإسلامي في موقع المعارض للجماعة والانشقاق عنها، وفي ذلك الموقع كانت الحاجة ماسة وملحة إلى المظلومية والتحريض والتجييش من أجل خلق العصبية والاستقطاب ضد الخصوم السياسيين، وهم هنا الدولة وأغلب المسلمين، فكانت واقعة مقتلة الحسين وآله وصحبه دوناً عن سواها من نكبات التاريخ الإسلامي نموذجاً ناجعاً لتحقيق غاية الانتقال من المعارضة والانشقاق إلى الحكم والسلطة، فاغتيال حمزة كان في سياق الصراع بين الكفر والإسلام، وبالتالي فقضيته ليست مفيدة سياسياً، أما اغتيال سيدنا علي – كرم الله وجهه – فجاء في سياق الرفض لفكرة الدولة ككل أو الرفض لفكرة الخلافة القرشية سواء كانت هاشمية أو أموية أو غير ذلك، وبالتالي فاستخدامها سياسياً مستحيل.
لم يكن أغلب المسلمين أو أغلب السنة يوماً ضد آل البيت النبوي، والدليل على ذلك أن من أسباب نشأة الدولة العباسية وطول عمرها العملي والصوري أنهم من بني هاشم آل النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن أغلب المسلمين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً لا يؤمنون بالحق الديني في الحكم، والحديث عن أن النبي أوصى بالحكم لعلي – عليه السلام – من بعده هو معتقد خاص بالفرق الشيعية وحدها ولا يشاركهم في ذلك الاعتقاد السواد الأعظم من المسلمين بما في ذلك مسلمو القرن الأول والعصر النبوي. لذلك كان الحكم أغلب التاريخ الإسلامي قائماً على الرضا أو الغلبة، وكلاهما قابل للتغيير، أما الحق الديني فلا يمكن نقضه أبداً، وهذا سبب رفضه من المسلمين وعدم تشريعه في الإسلام.
لقد عانى الفكر السنّي من تقديس الآراء، وهو ما أعاق التقدم إلى الأمام، لكن النخبة السنية المثقفة قامت بدور ريادي في نقد التطرف ونقضه وفي تجديد الخطاب الديني ما دفع أنظمة الحكم العربية (أو السنية) مؤخراً إلى تبني هذا التجديد بصفته مشروعاً وطنياً يدمج المسلمين مع العالم والحداثة ويقودهم إلى المستقبل.
في الجهة المقابلة، تعاني الإسلاموية الشيعية من تقديس الأحداث والأشخاص مع العجز الكامل عن التفريق بين ما هو ديني وما هو سياسي وما هو تاريخي، ويمكن تلخيص الإسلاموية الشيعية بالانتقام من التاريخ في الحاضر، وهو ما يرمي بالمسلمين وأهل المنطقة جميعاً إلى التهلكة، واللافت أنه حين حكم الإسلام السياسي الشيعي، فضلاً عن فشله المزمن في بناء الدولة وإدارتها، ارتبطت دوله إما بصناعة الحروب الأهلية خارجها أو بالغرق في الحروب الأهلية داخلها، ومن أسباب ذلك أن “كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء”، فلا بد من إخضاع الدولة و”الثأر” منها، وبعدها لا بد من “الثأر” من أهلها، في دوامة لا تنتهي ولا تستثني أحداً بما في ذلك الذات، والمنتظر اليوم من النخب الشيعية قيادة التحول المذهبي والطائفي إلى المنطق والمستقبل بدلاً من الاقتتال على الماضي، مصداقاً لقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
إن أكثر حروب دول الإسلام السياسي الشيعي توجهت ضد العرب والمسلمين، أما حروبهم ضد أعداء الإسلام فلا تكاد تذكر! واليوم تقوم الإسلاموية الشيعية في المنطقة بقيادة أكبر مشروع انتحار جماعي عبر التاريخ، والطريف حقاً هنا ليس فقط إصرارهم على الانتحار، إنما استياؤهم وتبرمهم من رفض الآخرين للانسياق إلى النحر، فربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا..!


