الممانعة إنكشفت: الاستيلاء على السلطة!

جورج حايك

ما كان يتداوله بعض السياسيين والاعلاميين والمفكّرين في مجالسه الخاصة عن مشروع “حزب الله” الهادف الى الاستيلاء على السلطة اللبنانية بات واقعاً، ولم يعد مجرد تنظير، وتبدو ممارسات الثنائي الشيعي يوماً بعد يوم غير آبهة بالدستور والاستحقاقات الدستورية الديموقراطية والانتظام العام للدولة والمؤسسات وحتى الميثاقية والمناصفة والتعايش. والصدمة الأخيرة تمثّلت في رفض الثنائي استضافة وفد المعارضة للحوار، فيما كان الرئيس نبيه بري يشترط “الحوار” لفتح أبواب مجلس النواب لإنتخاب رئيس للجمهورية!

ما يحصل منذ 19 عاماً ليس بريئاً بل خطة ممنهجة من الثنائي الشيعي للاستيلاء على الدولة اللبنانية من ضمن مشروع كبير يرتبط بالنظام الايراني، وهذا الموضوع لا التباس حوله، وهناك وقائع ودلالات تؤكّد ذلك، وكان مدار بحث في جلسة مع أحد رهبان “الكسليك” الذين كانوا سبّاقين في بداية الحرب اللبنانية الى تحضير دراسات سياسية وفكرية تضع الاصبع على جرح المشكلة في إطار “الجبهة اللبنانية” آنذاك، وهو متابع لما يجري اقليمياً ولبنانياً.

من دون قفازات، يتحدث الراهب- المفكّر عن الأخطار المحدقة بلبنان، معتبراً أن “حزب الله” هو أحد الأركان الأساسيين لمشروع انقلابي كبير في المنطقة تقوده إيران منذ العام 1979، وقد استثمرت الكثير من مواردها المالية في زرع ميليشيات عسكرية وأذرع أيديولوجية تدين بالولاء الكامل لها، ليجري استخدامها كأدوات رئيسية للسياسة الايرانية في المنطقة في جوانبها العسكرية والاستراتيجية والعقائدية. وقد نجحت التجربة مع “الحزب”، فاستنسختها ايران في العراق مع ميليشيات الحشد الشعبي وفي سوريا (الفصائل الشيعية) وفي اليمن (جماعة الحوثي). وتعود قرارات هذه الميليشيات إلى النظام الايراني الذي يخطّط للحروب والتحركات العسكرية غير التقليدية، بما فيها استخدام واجهات ثقافية واقتصادية ومدنية لتغطية أنشطته الخارجية.

ويكشف الراهب الذي كانت له مواقفه في الحرب اللبنانية وعلى الرغم من تقدّمه في السن اليوم، أن الخطر الداهم هو نتيجة توسّع المشروع الايراني وقد بلغ شوطاً كبيراً في ترجمته على الأرض وتوظيفه سياسياً وعسكرياً وفرض الوصاية على دول المنطقة، على أمل إحياء الإرث الامبراطوري الفارسي. وتكشف تصريحات العديد من المسؤولين الايرانيين في الآونة الأخيرة عن تمسك إيران بهذا الحلم القومي العنصري، وهو ما أكده الرئيس الايراني حسن روحاني، في تشرين الأول 2017 حينما قال في كلمة متلفزة، إنه “لا يمكن في العراق وسوريا ولبنان وشمال إفريقيا والخليج القيام بأي خطوة مصيرية من دون إيران”، وذلك بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب استراتيجيته الخاصة بإيران!

ويقول الراهب-المفكّر كلاماً أخطر من ذلك، لافتاً إلى أن ايران لا تتوانى عن توظيف الميليشيات المسلحة في مدّ نفوذها وتعزيز هيمنتها على دول المنطقة، فعلى سبيل المثال، الميليشيات الشيعية الموجودة في سوريا والعراق، تستهدف بالأساس إرساء كتلة إيرانية تمتد من العراق الى لبنان، للوصول إلى البحر المتوسط. كما توظّف إيران ميليشيا الحوثي الانقلابية في اليمن، لمحاولة بسط نفوذها في شبه الجزيرة العربية. وهذا الهدف الاستراتيجي، أكده تقرير للكونغرس الأميركي صدر في العام 2015، أشار إلى أن طموحات إيران بالتوسُّع في المنطقة عبر استغلال الانقسامات الطائفية فيها، لا يقل خطورة عن برنامجها النووي، وأن طموحات إيران التوسُّعية فى الشرق الأوسط يمكن أن تمثل خطراً على العالم لا يقل عن خطر طموحاتها النووية.

أما في لبنان فيرى الراهب أن “حزب الله” تحوّل إلى ما يُشبه الحرس الثوري في إيران، وترسيخه كذراع عسكرية لها بصرف النظر عن وجود الجيش اللبناني، وهو يؤتمر من النظام الايراني لا الدولة اللبنانية. ولأنه يمتلك السلاح وفائض القوة بات يُقرّر حالة الحرب والسلم، ويُعطّل الدولة، ويفرض رؤاه وتوجهاته من دون رادع، واستحوذ على الثلث المعطل في تركيبة الحكومات اللبنانية بناءً على اتفاق الدوحة، بعد أن اجتاح بيروت في 7 أيار 2008، موجّهاً سلاحه أول مرة إلى الداخل اللبناني، ثم تكرر الأمر في منعطفات أخرى، وهو يُفشل كل التحركات السياسية التي لا تتواءم مع مصالحه ومصالح إيران كما يفعل اليوم في الانتخابات الرئاسية.

ويبوح الراهب بكلام غير تقليدي، معتبراً أن “الحزب” بلع الدولة اللبنانية. ويقول: “لقد عشت مواجهة الفلسطيني ومقاومته على قاعدة أنه غريب في حين أن الحزب يعتبر جزءاً من أبناء البلد ومشروعه الايراني أخطر على الكيان والوجود، فهو خطف الدولة وأصبحت أجهزتها تعمل في خدمته تماماً كما هي الحال مع الحشد الشعبي في العراق أي جزء من تركيبة الدولة، من هنا كان إصراره على ذكر حركته في البيانات الوزارية حتى يتلطّى وراء مشروعيّة ما من خلال الحكومات التي كان يشارك فيها ولو رمزياً، والآن يصرّ على أن يجعل نفسه وحليفه بري وصياً على رئاسة الجمهورية، وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه”.

ويضيف: “انها عملية قضم ممنهجة للدولة، وقد تمّ استبدال غازي كنعان بحسن نصر الله، فأصبح صانع الرئيس والحكومة والقرارات القضائية ويقول إنه يريد فرض مرشحه بالقوة وسيعطل الجلسات إلى حين انتخابه وهذه ليست ديموقراطية!”.

يرى الراهب-المفكّر أن جوهر المشكلة في لبنان اليوم لم يعد كما كان سابقاً في إدارة نظام المشاركة في السلطة والمحاصصة بين مكوناته، بل بات في الخلاف العميق الذي يطال قضايا رئيسية تبدأ مع الهوية الوطنية والقومية ولا تنتهي مع مفهوم الدولة وسيادتها.

مع ذلك، يؤكّد أن ما تفعله المعارضة اللبنانية ضروري، ولو كان بالوسائل الناعمة، لمواجهة “انقلاب الحزب” وسياسة القضم الحاصلة، “وهي نجحت إلى حدّ ما في أن تُقفل له طريق انتخاب مرشّحه الرئاسي، علماً أنها لا تملك القوة الكافية لإنتخاب رئيس سيادي حقيقي، بسبب بعض النواب المتخاذلين في الوسط، ولا بد من توازن رعب بالسياسة، لذلك مطلوب دعم المعارضة لتمنع فريق الممانعة من الاستيلاء على كامل الدولة فتُصبح سيطرته شرعيّة”.

لا يتوقّع الراهب الماروني أن تأتي المعارضة برئيس “على ذوقها”، لكن على الأقل، أن تكون قادرة في تسوية ما على أن تأتي برئيس على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، والمطلوب منها أن لا تتراجع، علماً أن فريق الممانعة ربط المعركة الرئاسية بالحرب الدائرة في المنطقة، ولا أرى أن نهاية هذه الحرب ستكون لمصلحة إيران و”الحزب”، وعلينا أن نكون واقعيين، فالادارة الأميركية المقبلة لن تتساهل في مسألة أمن اسرائيل، وهذا ما سيؤدي إلى خسارة “حماس” في غزة و”الحزب” عبر تراجعه كيلومترات غير قليلة عن الحدود، وإذا بقيت المعارضة صامدة من دون أن تتأثر بالعوامل الخارجية وأن تواجه أي مكتسبات لـ”الحزب” في الداخل فستُنقذ لبنان من الوقوع في يده بالكامل.

والنهاية كانت بكلام كبير جداً لهذا الراهب المناضل “الأخطر أن وجه لبنان الحضاري والثقافي على طريق التذويب وكأنهم يصنعون لبنان آخر لا يشبهنا ولا يشبه تاريخنا العريق.. وكأنهم يعملون لشطب الستة آلاف سنة حضارة لينشئوا كياناً آخر لا علاقة له بلبنان… الخطر اليوم بسبب ميليشيا دينية عقائدية إيرانية مشروعها إلغائي للجمهورية اللبنانية ولا ندري ما اذا كانت مدعومة من إسرائيل!”.

شارك المقال