مع اشتداد وطأة التوترات الأمنية، يعيش اللبنانيون حالة من القلق المستمر، مُترقبين ما قد تُسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات خطيرة وتداعيات كارثية في ظل تهديد حقيقي بدخول لبنان في مستنقع حرب شاملة تزيد من معاناتهم وتدفع بالاقتصاد المتردي منذ أكثر من خمس سنوات إلى الهاوية.
وعلى الرغم من اقتصار الصراع على مناطق وأهداف محدودة، غير أنّ الحرب الدائرة في غـزة والاشتباكات المتواصلة في جنـوب لبنان منذ السابع من تشرين الأول الماضي ألقت بظلالها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التـي تمرّ بها البلاد. إذ من المتوقع أن تؤدي التبعات السلبية للصراع في حال توسعه إلى تفاقم حدة الأوضاع غير المستقرة وتدمير ما تبقى من بنية تحتية اقتصادية خصوصاً في قطاعات حيوية مثل الزراعة والسياحة.
في ما يتعلّق بالأضرار المادية، وفقاً لتقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية، فإن مساحة الأراضي الزراعية المحروقة في لبنان حتى بداية شهر تموز بلغت 17 مليون متر مربع، بالاضافة إلى الخسائر الفادحة التي لحقت بالمحاصيل الزراعية، لا سيما التبغ والقمح، فضلاً عن استخدام الفوسفور الأبيض والذي أدى الكثير منه إلى إشعال حرائق ألحقت الضرر بأكثر من 1480 فداناً من الأراضي الزراعية. كما تعرّضت الممتلكات لأضرار واسعة النطاق، بحيث تم تدمير 1880 منزلاً بصورة كاملة، وتضرر 1500 منزل بشكل كبير، ونحو 5600 منزل لحقت بها خسائر طفيفة، كما تأثرت 220 مؤسسة تجارية وصناعية.
على الصعيد السياحي، لطالما شكّل القطاع دعامة أساسية للاقتصاد الوطني بعد أن أصبحت عائداته ركيزة أساسية لدعم النمو الاقتصادي مع استحواذه على ما يقارب 26 في المئة من إيرادات الحساب الجاري. أرقام “مصرف لبنان” أظهرت ارتفاع إيرادات قطاع السياحة والتي أسماها المصرف بـ”خدمات السفر”، بنسبة 1.7 في المئة في العام 2023 لتصل إلى 5.41 مليارات دولار. اليوم، تُشير التقديرات إلى أن الايرادات المتوقعة من قطاع السياحة في لبنان خلال الموسم الصيفي 2024 ستتراوح بين 3 و3.5 مليارات دولار، بينما يُتوقع أن تصل إلى نحو 5 مليارات دولار خلال العام. ونتيجة للحرب المستمرة، من المرجح أن يخسر القطاع السياحي مبلغاً إضافياً يتراوح بين 1 و2 مليار دولار، ما يقلل من الايرادات المتوقعة لعام 2024 والتي قدرت بنحو 7 مليارات دولار. وأشار تقرير لـ”بنك عودة” إلى أن الحرب وجهت ضربة موجعة الى القطاع السياحي، حيث بلغت الخسائر الاجمالية خلال الأشهر الستة الأولى أكثر من مليار دولار، بسبب تراجع عدد السياح بنسبة 24 في المئة.
وكانت وكالة “ستاندرد آند بورز” قد أجرت تحليلاً كمياً لتحديد الانعكاسات الشاملة لفقدان لبنان نسباً كبيرة من دخل السياحة على الأداء الاقتصادي. وفقاً للسيناريو الأول، إن انخفاضاً في عائدات القطاع السياحي بنسبة 10 في المئة سيترجم إلى تقلص في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي بنسبة 3 في المئة. وبحسب السيناريو الثاني، ففي حال فقدان لبنان 30 في المئة من إيرادات السياحة، سيشهد الاقتصاد اللبناني انكماشاً بنسبة 10 في المئة. أما السيناريو الثالث وهو أسوأ السيناريوهات المتوقعة، فيُظهر أنّ تراجع إيرادات السياحة بنسبة 70 في المئة، سيؤدي إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 23 في المئة.
ووفقاً للأرقام الرسمية لمطار رفيق الحريري الدولي، سجل عدد الوافدين إلى لبنان خلال النصف الأول من العام الحالي مليونا و545 ألفاً و666 زائراً، بينما بلغ عدد المغادرين مليوناً و452 ألفاً و996 مسافراً، بحسب إحصائيات المطار. وشهد شهر حزيران الماضي تراجعاً في عدد الوافدين إلى لبنان بنسبة 5 في المئة، بحيث بلغ العدد 406 آلاف و396 وافداً مقارنة بـ427 ألفاً و854 وافداً في الشهر نفسه من العام الماضي. كما أظهرت الاحصائيات أن عدد المغادرين من لبنان بلغ 300 ألف و362 مغادراً مقارنة بـ280 ألفاً و366 مغادراً في الشهر نفسه من العام الماضي، مسجلاً زيادة بنسبة 7.13 في المئة. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والأمنية وتأثر القطاع السياحي بتداعيات الحرب، إلاّ أنّ السياحة الداخلية تشهد ازدهاراً ملحوظاً بفضل عودة المغتربين اللبنانيين الذين يشكلون دوماً شريان حياة لبلدهم الأم.
بين حر الصيف ولهيب الحرب، يئن لبنان تحت وطأة الأزمات المتراكمة، متأرجحاً على حافة الانهيار الشامل. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإنعاش الاقتصاد اللبناني في عامي 2022 و2023، مدفوعة بمؤشرات التعافي الواعدة في قطاع السياحة وزيادة التدفقات المالية، فإن حالة عدم اليقين العالية والتوترات الأمنية والجيوسياسية المتصاعدة، تقوّض آمال هذه الجهود وتدفع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى مزيد من التدهور؛ خصوصاً في ظل انعدام خطة إنقاذ اقتصادية وغياب أي من الاصلاحات الهيكلية الفورية التي يحتاج اليها لبنان لاستعادة الاستقرار والثقة والنمو.


