التطويب… موارنة يبحثون عن قائد!

أنطوني جعجع
بكركي

هل كان المسيحيون في لبنان وتحديداً الموارنة منهم في حاجة الى قديس في حجم البطريرك اسطفان الدويهي، كي يحافظوا على ما تبقى لهم من دور مؤثر أو يستعيدوا دوراً مؤثراً كان لهم ذات عصر.

هذا ما اعتقدته بكركي وما تأثر به الفاتيكان وما اندفع نحوه الموارنة، قبل أن يدركوا أن ما يحتاج اليه المسيحيون ليس “فورة” تنتهي بانتهاء مناسبتها، ولا صلاة جماعية تتردد في الكنائس والساحات، بل الى أمر آخر لم يعد متوافراً أو على الأقل ليس متوافراً اليوم.

لا يختلف اثنان، سواء في البيئة المسيحية أو الاسلامية، على أن ما ينقص المسيحيين ليس قديسين، على أهميتهم، بل قادة من طينة القادة الكبار، وبطاركة من طينة البطاركة المُهابين، فضلاً عن مظلات اقليمية ودولية تجعل منهم قوة حيوية لا يمكن الاستغناء عنها، وليس قوة قابلة للبيع والشراء في أسواق الصفقات الصغرى والكبرى.

والمؤسف، يقول مسؤول مسيحي مخضرم، ان لا أحد من هؤلاء القادة أو البطاركة متوافر اليوم، وان لا فريق اقليمياً أو دولياً يراهن على طائفة مارونية مشرذمة تضرب في خواصرها بقدر ما يضرب بها الآخرون وربما أكثر، وتواصل السير نحو الهاوية من دون أي ضوابط أو مكابح، وتصر على النبش في التراكمات السلبية بدل التفتيش عن مخارج انقاذية مطلوبة بالحاح أو استراتيجيات لا بد منها.

ويضيف تعليقاً على الحشد الكبير الذي رافق تطويب البطريرك الدويهي، ان ما شاهده كان شعباً ثائراً من دون قادة ملهمين، ومؤمنين ملتزمين من دون كهنة مؤثرين، مؤكداً أن ما جرى في بكركي في الثاني من آب، لا يختلف عما جرى في “الرابع عشر من آذار” عندما زحف المسيحيون مع اخوانهم المسلمين نحو ساحة الشهداء ليعطوا لبنان نصراً على الاحتلال السوري، وتطويقاً للاحتلال الايراني لم يكن يخطر في بال أحد، قبل أن يسلموا الأمانة الى قادة لم ينجح أي منهم لا في الحفاظ عليها ولا في الحفاظ على الوحدة المسيحية التي تجلت يومذاك بأبهى حللها.

وليس في هذا العرض الكثير من المبالغة ولا أي قدر من الافتراء، اذا تعمقنا جيداً في أحوال الموارنة، سواء على مستوى القاعدة أو القيادة أو التحالفات، إذ لم يحدث في التاريخ الذي أعقب يوحنا مارون أن تعرض المسيحيون الى هذا القدر من الهزالة والانتقاص من أدوارهم وامتيازاتهم ومواقعهم وحقوقهم وأحزابهم وقادتهم وكنيستهم وذلك من دون حربٍ أو غزوٍ أو اضطهاد أو فتوحات.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن الجميع يعرفون أنهم أخطأوا ذات يوم، لكن الاتعاظ يبقى أمراً غائباً، ويعرفون أنهم ليسوا من طينة كميل شمعون أو بشير الجميل، أو من طينة الدويهي أو الحويك أو عريضة لكن الإقرار يبقى أمراً محرماً، ويعرفون أن مؤهلاتهم لا تجعل منهم لا قادة مسيحيين جامعين ولا قادة وطنيين مقبولين، لكن الاعتراف يبقى أمراً ممنوعاً، ويعرفون أيضاً أن الشعب الماروني بات في مكان آخر يتفاوت بين الهجرة شبه الجماعية والعزلة شبه الكاملة، وأنهم باتوا مجرد حيثيات متقطعة تتناتش الحصص سواء عبر تحالف مع “حزب الله” من هنا أو تحالف مع الخليج وأميركا من هناك، لكن التسليم بكل ذلك يبقى مسألة فيها نظر.

والواقع أيضاً أن الفريق المسلم الحاكم أي الثنائي الشيعي، لم يعد ينظر الى بكركي كما كان ينظر الشيعة الكبار من أمثال موسى الصدر وآل الأسعد والخليل وعسيران وسواهم من قادة الزمن الوطني الأصيل، وأن الفريق السني المغالي لم يعد ينظر الى البطريرك كما كان ينظر السنة الكبار من أمثال آل الصلح وكرامي وسلام والحريري وسواهم، وانتقل الأمر من جيل مسلم ينطلق من وطنياته وأخلاقياته الى جيل ينطلق من سلاحه وعصبياته.

والسؤال هنا، هل بلغ الموارنة والمسيحيون هذا الحد من الانحدار لأن بعض المسلمين الشيعة والسنة ذهب به فائض القوة الى حدود التطاول والتحدي والاستخفاف؟

الجواب حكماً لا، على الرغم من أن بعضهم قدم عصبيته على وطنيته في مفاصل مصيرية عدة، اذ ان هؤلاء لم يكونوا الطرف الذي أهان البطريرك الراحل نصر الله صفير في عقر داره، وضربوا هيبة الكنيسة المارونية، ولم يكن هؤلاء من افتعلوا “حرب الأخوة” في زمن ميشال عون، وقبلها في الصفرا واهدن في زمن الميليشيات، ولم يكن هؤلاء من فعل أي شيء وارتكب أي شيء، ومارس أي شيء كي ينتقص من حيثية مارونية منافسة أو يتقدم عليها أو يلغيها أو يحشرها في المقاعد الخلفية أو حتى يرسلها الى المنافي أو يزجها في السجون.

وليس المقصود هنا تبرئة الكثير من الشركاء المسلمين الذين تحالفوا مع كل من طالتهم يدهم بدءاً من جمال عبد الناصر مروراً بأبو عمار وحافظ وبشار الأسد وصولاً الى الخميني، لانتزاع ما يمكن انتزاعه من امتيازات الموارنة وصلاحياتهم ومواقعهم وحتى الكثير من حقوقهم، لكن هذا شيء وما فعله الموارنة وما زالوا يفعلونه شيء آخر، اذ ان هناك فرقاً هائلاً بين فريق يعمل لكسب الحرب وفريق لا يعمل شيئاً لتجنب خسارتها.

وسط هذا الجو القاتم وفي نظرة الى التجمعات والاجتماعات واللقاءات والمناسبات التي يحضرها فريق ويقاطعها فريق، نعود الى المربع الأول الذي بدأنا به هذا التقرير والقائل إن “الموارنة الشعب” تحولوا الى شعب بلا قادة جامعين، وان “الموارنة المؤمنين” تحولوا الى مؤمنين بلا بطاركة مُهابين، وان “الموارنة الأقلية” تحولوا الى مجموعة قد يأتي يوم تجد نفسها أقلية يتيمة لا تعتمد على أحد في الداخل ولا يريدها أحد في الخارج.

في اختصار وفي ذلك الحشد الهائل في بكركي، وفي نظرة خاطفة على من جلس في الصف الأول محاولاً أن يحصد المناسبة ومن غاب عنه محاولاً أن يحد من حجم الحصاد، تذكرت ما قاله لي يوماً البطريرك صفير ونحن نستعرض خلافات الموارنة وحب السلطة: “يا بني، ان حب الذات يخرج من جسد الانسان بعد ربع ساعة من خروج الروح”.

كم كان على حق.

شارك المقال