غضب البطريركية المارونية… لا يفتح أبواب المجلس النيابي!

جورج حايك
بكركي

بين بكركي والديمان، عاش الموارنة فرحة تطويب البطريرك اسطفان الدويهي، فهو فخر الطائفة ومصدر الهام لكل رجالها الزمنيين والروحيين لما تضمنته سيرته من حكمة وحسن تدبير في ظل ظروف مأساوية في القرن السابع عشر بسبب الجوع وظلم الحكام وتقلبات الزمان. دافع عن حقوق أمته لا عن الحقوق الروحية وحسب، بل عن الزمنية أيضاً.

لكن الفرح الذي غمر الموارنة في مطلع آب الفائت احتفالاً بتطويب رجل الله الدويهي، سرعان ما ضاع وسط ظلم الحاضر وشعور الموارنة بأن حقوقهم تُسلب تدريجياً في الدولة التي كانت لهم اليد الطولى في تأسيسها منذ نشأة لبنان الكبير، وتكريس الشراكة مع المسلمين أخوتهم في الوطن.

فرحة الأسبوع الأول من تطويب الدويهي كانت واضحة في الديمان المقر الصيفي للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، فهو رأى بالعين المجردة كيف يُكافئ بطريركاً ساس أمور طائفته بأفضل ما يكون، ولم تثنه الهموم الزمنيّة عن تقديس نفسه، وها هو يسير على طريق القداسة، حتماً يعتبر البطريرك الراعي الطوباوي الدويهي قدوة، ولا يمكن لأي بطريرك إلا أن يترك أثراً ايجابياً في وطنه خلال عهده ليستحق لقب “مجد لبنان أعطي له”.

لم يعد يكتفي الراعي بعظات عالية النبرة، فهو باح بكل شيء وحمّل رئيس مجلس النواب نبيه بري المسؤولية المباشرة عن تعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهذا ليس بسرّ، بل تشير المعلومات إلى أنه يُكرّر دائماً أمام زوّاره أن بري لا يمارس دوره كرئيس للسلطة التشريعية إنما يحاول أن ينصّب نفسه رئيساً للجمهورية، ويمارس صلاحيات الأخير بحيث يستقبل الرؤساء والسفراء والموفدين الديبلوماسيين ويفاوض بإسم لبنان، علماً أن هذه الصلاحيات تعود إلى رئيس الجمهورية الذي يعتبر رمزاً وطنياً عموماً ومارونياً خصوصاً.

فكرة شغور قصر بعبدا تُزعج البطريرك الراعي كثيراً، ويكشف أمام زواره أن مخاوفه من مخطط لسلب المسيحيين حقوقهم وخصوصاً موقع رئاسة الجمهورية تزداد، وللأسف، هذا المخطط ينفذّه الثنائي الشيعي عن سابق تصوّر وتصميم.

صحيح أن قنوات التواصل لم تنقطع بين البطريرك وممثلي الطائفة الشيعية اليوم أي بري و”حزب الله”، لكن الحوار الذي يجري تنقصه الشفافية من جهة بري، فهو يتذرّع بحوار غير دستوري رفضه المسيحيون وخصوصاً “القوات اللبنانية” والمعارضة، كما اعتبر البطريرك الراعي هذا الحوار، كما يقترحه بري، لا يصحّ، مؤيداً تشاور النواب في إطار الجلسات المفتوحة والمتتالية خلال عملية الإنتخاب.

مع ذلك، يصرّ بري في كل اتصالاته مع الراعي على حوار 6 أيام يليه انتخاب رئيس، وربما البطريرك “الغيّور” على مصلحة طائفته، يُماشي بري ويُحاول أن يقتنع بطرحه إلا أنه يعلم أن القوى السياسية الأساسية الممثلة للمسيحيين ترفض هذا الأمر، والبطريرك يُدرك أنها محقّة، بل يعرف في قرارة نفسه أن لا رئيس مجلس النواب ولا حليفه “الحزب” يريدان إجراء انتخابات رئاسية، بل يُمعنان في استمرار الشغور وتعطيل الدولة، وهذا ما يستفيد منه بري شخصياً.

قد لا يفكّر البطريرك الماروني كما يفكّر السياسيون نظراً إلى تكوينه اللاهوتي الطوباوي، وقد يرضى بما لا ترضى به القوى السياسية، وفق ما يؤكّد زواره، إلا أنه في النهاية لا يرأس كتلة نيابية، ولا “يمون” على أحد كي يلبي دعوة بري إلى حوار غير مقنع، وهدفه ليّ ذراع المسيحيين أولاً وأخيراً وتكريس نفسه وصياً على رئاسة الجمهورية.

يرى البطريرك الراعي أن ما يحصل في الواقع هو محاولة السيطرة على البلد بكامل مفاصله، وهذا لا يُبشّر بالخير، لذلك من المتوقّع أن تشهد المرحلة المقبلة، المزيد من التصعيد في مواقف البطريركية المارونية العاجزة حتى اليوم عن فتح أبواب المجلس النيابي، وربما الأمر يحتاج إلى الكثير من الصلوات، علّ الروح القدس يفتح أبواب المجلس الموصد عمداً لكي يرضخ اللبنانيون المتعلقون بالحياة الديموقراطية!

 

شارك المقال