تستمر المفاوضات التي انطلقت في 15 آب الجاري في الدوحة حول الحرب على قطاع غزة في محاولة للتوصل إلى اتفاق يفضي إلى إنهاء الإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من أن التفاؤل الحذر جداً هو سيد الموقف المرافق لمسار التفاوض إلا أن ذلك قد يصب في خانة ممارسة الضغوط النفسية أوقات جلوس أطراف الصراع على طاولة المفاوضات، فما هو الدور الأميركي فيها؟
يعتبر التحايل الديبلوماسي والتملص من العهود والتلاعب بالشروط أبرز سمات السلوك التفاوضي للاسرائيليين على مر العصور، وهو ما يثبته رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من جديد، ففي كل مرة يتم التوصل فيها إلى صيغة توافق ما يخرج على أثرها بسلة شروط متجددة مطلقاً سهام اتهاماته بالعرقلة نحو الفلسطينيين، لذا يرى مراقبون أن وفد التفاوض الاسرائيلي وبإيعاز من زعيمه المتردد سيصر إضافةً إلى خطة الرئيس الأميركي جو بايدن لإنهاء الحرب وتحرير الرهائن على الشروط الآتية:
– بقاء قوات الاحتلال الاسرائيلي في معبر فيلادلفيا.
– بقاء قوات الاحتلال الاسرائيلي في محور نتساريم وسط قطاع غزة.
– الحق في تفتيش السكان العائدين إلى شمال غزة.
تجدر الاشارة إلى أن مشروع الهدنة الذي يطرحه بايدن ينص على إيقاف الحرب مدة 6 أسابيع ليتم التفاوض قبيل نهايتها على المرحلة اللاحقة ما يعني أن كفة احتمالات العودة إلى الحرب راجحة جداً، خصوصاً وأن نتنياهو الغارق في أنفاق غزة والضائع في حقيقة مقتل محمد الضيف والباحث عن يحيى السنوار ليقتل بطل الرواية، سيجد في الشروط آنفة الذكر في حال تشكلها على صورة اتفاق، مخرجاً لتحقيق نصر ما على وقع أهازيج عودة بعض الأسرى في مقابل فتات من هدوء غير مضمون يُمنح للفلسطينيين على حين غفلة من التفاوض.
ولكن في المقابل، من غير المتوقع أن توافق حركة “حماس” على الشروط الاسرائيلية المستجدة خصوصاً بعد تعيين الديبلوماسي الخشن والعسكري المرن يحيى السنوار رئيساً لها، فهو لن يمنح نتنياهو على طاولة المفاوضات ما عجز عن تحقيقه في ميدان المعركة ليسقط الأول في خندق الفشل الثوري التحريري ويترجم الآخر مكاسبه في السياسة.
هنا يحط طائر النسر الأصلع الأميركي بقوة جناحيه وسمو عينيه الثاقبتين حاملاً غصن الزيتون ملوّحاً به للسلام الذي لم يحققه يوماً على أرض عربية خصوصاً الفلسطينية، فلطالما أطلق عليها سهام الحرب عبر أيدٍ إسرائيلية أمينة تشكل درع حماية لمشروعه في المنطقة لقاء تأمينه الوقاية الشاملة للكيان الصهيوني. وقد تحاول الادارة الأميركية إجبار نتنياهو على العودة إلى خريطة بايدن وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2735 الداعي إلى وقف إطلاق النار بالاضافة إلى “أوراق الإطار” التي قدمها الوسطاء (الأميركيون والمصريون والقطريون) في 2 تموز 2024 والتي تستند إلى ما سبق ذكره وقبلت بها حركة “حماس” شرط عدم إضافة أي شروط جديدة.
وكعادتهم يضع الأميركيون الطرف الجالس أمام الاسرائيليين على طاولة التفاوض في موقع غير المتجاوب إن لم نقل المحبط لأي اتفاق، فعلى الرغم من تعبير بايدن عن تفاؤله حيال مسار المفاوضات، إلا أن مستشاره للأمن القومي جون كيربي اعتبر عشية اليوم الأول أن على “حماس” كما إسرائيل إظهار المرونة وتقديم التنازلات.
يبدو واضحاً أن دخول الولايات المتحدة مدار الانتخابات الرئاسية يجعلها أكثر قلقاً وإصراراً على الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار، من هنا يأتي الضغط السياسي والديبلوماسي الذي تمارسه على “حماس” لدفعها إلى تقديم مزيد من التسهيلات وإن كانت لصالح إسرائيل بصورة وقحة، كذلك عبر الترويج لفكرة تناثر فرص إيقاف الحرب بين رمال الاستحقاقات الداخلية إلى آجال غير محددة أو التلويح بقسوة أميركية محتملة في حال فوز دونالد ترامب برئاسة العام 2025.
أما على الصعيد الاسرائيلي، فيبدو أن نتائج الاستطلاع الذي أجرته صحيفة “معاريف” قد راقت لنتنياهو بحيث أظهر تقدمه على غريمه المحتمل بيني غانتس بـ 40% مقابل 39%. وكانت “القناة 13” الاسرائيلية قد نقلت عشية انطلاق جولة التفاوض في الدوحة أن جهات أمنية وشوشت في أذن نتنياهو أن عليه الاختيار بين صفقة الرهائن أو الحرب الاقليمية ليزيد استطلاع “معاريف” طين مصالح بنيامين السياسية بلة كبرياء ومماطلة، إذ أظهر أن 57% من الاسرائيليين يعتقدون أن إسرائيل قادرة على التعامل مع هجوم من جبهات متعددة فقط بمساعدة واشنطن، من هنا يتابع رئيس الوزراء مساره العدواني في جر الولايات المتحدة إلى معركة واسعة، ما يكشف نواياه المبيتة في إفشال أي مفاوضات ممكنة لأنه يرى لنفسه حاجة في خوض حرب مدمرة يخرج منها منتصراً وربما متوجاً ملكاً على إسرائيل كما يحلم على اعتباره الزعيم الأكثر مكوثاً في الحكم.
على الرغم من مكر بنيامين نتنياهو في تأجيج الحرب ونسف المفاوضات إلا أن هناك أطرافاً إسرائيلية تستشعر الهاجس الكياني الذي يعانيه الاحتلال منذ إعلانه، هذه الأطراف تتشارك مع مسؤولين أميركيين الرغبة نفسها في إنهاء الحرب معتبرين أن التفاوض هو السبيل الوحيد إلى ذلك لا بل إن مفاوضات الدوحة الحالية هي الفرصة الأخيرة لتحديد معالم اليوم التالي في إسرائيل.


