هكذا تعرّفت إلى “بشير”

جورج حايك

في مثل هذا اليوم منذ 42 عاماً إنتخب قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميّل رئيساً للجمهورية، فعشت كمعظم أبناء جيلي فرحة وصول رجل وضعنا كل آمالنا فيه، فمرّت 21 يوماً كالحلم: وانقلبت الدنيا رأساً إلى عقب، وتحوّل الخلاف بين اللبنانيين بعد 7 أعوام من الحرب الضروس إلى عرس وطني، وعلى الرغم من أنني كنت مجرد شاب مراهق شاهدت كل ذلك: الرئيس المنتخب يجول في كل المناطق اللبنانية، يعانق المشايخ الدروز ورجال الدين السنّة والشيعة، يجتمع بزعيم السُنّة صائب سلام في لقاء وجداني آنذاك، يزور الجنوب ويلتفّ حول السكّان الطيّبين.

التغيير الذي تجسّد في تصرفات الناس كردّ فعل على خطابات الرئيس المنتخب خلال 21 يوماً، حدّد على نحو كافٍ مواصفات العمل في المؤسسات الرسمية خلال عهده، فشعر كل موظف أنه ملزم بالتقيّد بها. فالذين أهملوا وظائفهم وكانوا يتقاضون أجوراً وهم قابعون في منازلهم، سارعوا إلى الالتحاق بها. التلزيمات الخاصة بورش الطرق وأشغال الحفر ومدّ القساطل وغيرها، المهملة منذ أعوام انتعشت فجأة، والملفات العالقة منذ مدة طويلة أنجزت وأقفلت خلال 48 ساعة! وكل من كانت تسوّل له نفسه تقاضي رشوة على معاملة رسمية، أقلع عن عادته فوراً وأصبح يرفض الاكرامية قائلاً: “شكراً لن يكون ذلك في عهد بشير”، إذ كان هؤلاء يتذكرون جيداً جملته الشهيرة التي قالها بعد انتخابه في احدى المناسبات: “كل واحد بيجرّب يعمل واسطة أو ياخد رشوة رح يختفي عن وجّ الأرض!”. انتظمت حركة السير وأصبح الناس يشاهدون شرطة السير بعد غياب طويل. وأظهر الجيش اللبناني حزماً في مناسبات عدة، وامتنع مقاتلو “القوات” عن التجول بسلاحهم وبثيابهم العسكرية، واختفت كل معالم الحرب من الشوارع! هذه هي طينة الرؤساء الذين يفتقر إليهم لبنان اليوم.

لكن مهلاً مهلاً، قصتي مع بشير تعود إلى عام 1975 ولم أكن قد أكملت بعد العقد الأول من عمري. يُقال ان جيل الحرب ينضج بسرعة أكبر من جيل السلم. فعلاً، لم أتأخر عن ترك ألعاب الصغار لتشغلني “القضية” وتأخذني إلى عالم الكبار. كان خوف أهلي على المصير ينصهر بأحلامي الصغيرة والبحث عن منقذ يدافع عن “وجودنا”. في الواقع، هكذا كنت أحلم ببشير الجميل من دون أن أعرفه. وعندما بلغت العاشرة كان راديو والدي الصغير رفيق العائلة، شئنا أم ابينا، هو المنبّه الوحيد الذي كان ينذرنا بالأخبار والمستجدات، وموسيقى الملاحق الاخبارية، بينها صوت كان يلهب حماستي. كنت ألتهم كلماته ويحدث فيّ عاصفة من العنفوان والأحاسيس. انه بشير الجميل. ببساطة كان يمثّل فسحة الأمل الوحيدة وعصارة الأبطال التاريخيين الذين تعرّفت اليهم في الكتب المدرسيّة.

كان هذا الأمر طبيعياً في وجدان الناس الذين رأوا ببشير “روبن هود” يدافع عن حقوقهم ويحميهم من الغرباء، ولا أزال أذكر حصار “المئة يوم” في الأشرفية وخلفه دوي القذائف والصواريخ، فأغمض عينيّ ولا أفكّر الاّ بكلمات بشير!

في أيام الحرب يتساوى المدنيون والمقاتلون في المواجهة والصمود. هذا ما شحنه بشير في نفوسنا. وفي ذروة الليالي الحالكة خلال حصار المئة يوم والقصف السوري العشوائي، كنا جميعاً، صغاراً وكباراً، ننتظر “أمر اليوم” من بشير: “الحكي ما بيفيد، كل شبر بروح منردّو، منقاتل بكل حيّ، منقاتل بالأحراج والجبال. واذا بقي شبر واحد منعيش فيه بكرامة”. كلمات قليلة، لهجة واثقة وحازمة. انه رجل يعرف ما يريد، لذا عند كل موقف لبشير كانت المعنويات ترتفع إلى الذروة. كان حقاً رجل العناية الالهية في نظر أكثرية المحاصرين في الأشرفية، فاستطاع أن ينظّم قوة دفاع ذاتية على الرغم من كل الصعوبات.

لقائي الأول ببشير كان في مدرسة القلبين الأقدسين-السيوفي حيث فاق عدد الحاضرين الخمسمئة شخص في قاعة لا تتسع سوى لأربعمئة! دخل بشير، فعلا التصفيق بحرارة. ابتسم، ألقى التحية أكثر من مرة، فانهمرت عليه القبلات والمصافحات من كل حدب وصوب. ركضت نحوه فتاة صغيرة حاملة وردة وقبلة، فانحنى وضمّها بين ذراعيه وطبع قبلتين على وجنتيها. جلس بشير متأثراً والابتسامة لا تفارق وجهه، ثم حضر كل من الشيخ بيار الجميل وشقيقه أمين والرئيس كميل شمعون. كان لقاء غالياً على قلبي ولا يغيب عن وجداني.

كل سنة كنت أكبر خمسة أعوام. ومن تعرّف إلى بشير في تلك المرحلة المجبولة بذكريات المآسي والحروب والأحلام والانكسارات والانتصارات، لم يكن باستطاعته البقاء غير مبالٍ بالسياسة والأرض والسيادة والكرامة والمقاومة.

كثر لم يعرفوا المساحة الجغرافية للبنان وأنا منهم. لكن مع بشير حفظناها ظهراً عن قلب: 10452 كيلومتراً مربعاً. اجتمع الأصدقاء والخصوم على رؤيوية مواقفه ووضوحها، حتى قيل فيه الكثير: صاحب قرار وطني، يعطي كل ذي حق حقه، يقول الحقيقة مهما كانت صعبة، سريع الاستيعاب، عنيد في سبيل مواقفه، ظاهرة، يُقدم ولا يتراجع، رجل تخطيط، متواضع، عفوي، مقنع، مقاوم، يحوط نفسه بنخبة من المستشارين الناجحين، نظيف الكف، يستطلع دائماً آراء أهل المعرفة، مرهف الاحساس. تقرأ خطاباته اليوم، فتظن أنه القاها قبل ساعات، ليس لأنها لا تزال طازجة في مخيلتنا وضمائرنا، بل لأن الظروف والسياسات والزواريب لم تتغيّر قيد أنملة. الجميع يثني على مبادئه ويتمسك بها، لكنّ أحداً لم يطبقها.

أمضى 21 يوماً من انتخابه رئيساً للجمهورية وكاد ينسي الناس أسماءهم ووجوههم وهمومهم وفرديتهم انصهاراً في لبنان الحلم. انه بشير الجميل من وجهة نظر عشاقه. أما بالنسبة إلى أعدائه فهو عميل اسرائيلي، دموي، قاتل، رئيس عصابة ثم ميليشيا منظّمة، سطا بالقوة على المنطقة الشرقية بذريعة توحيد البندقية، خاض معارك دموية ضد أصدقائه، صاحب مشروع الاستيلاء على السلطة، هدفه إقامة جمهورية مسيحية منعزلة… وتطول اللائحة.

لكن على الرغم من أن هذه الاتهامات استنسابية وغير دقيقة، لا بد من الاعتراف بأن بشير تغيّر كثيراً بعد معركة زحلة الشهيرة عام 1981 إذ بدأت مرحلة “أثينا” في فكره، وبدأ يراوده حلم رئاسة الجمهورية والانفتاح على المسلمين، فتقرّب من النخب الثقافية والانتلجنسيا اللبنانية وذوي الاختصاص، وكوّن فريق “غاما” وتسارع في ذهنه مفهوم بناء دولة على مفهوم اللادولة. وفي ذروة قوّته ونفوذه، انتظر منه الجميع اعلان دولة لبنان الحر المسيحية، جغرافياً وبشرياً، الاّ أنه خذل المراهنين على التقسيم وأحبط المشككين ونادى بالـ10452 كيلومتراً مربعاً والتعايش المسيحي- الاسلامي من دون مساومات. قد تكون فكرة الوطن المسيحي طرأت على ذهنه في الظروف الضاغطة ولحظات الضعف والخوف وطلعات الحرب ونزلاتها، الاّ أنه استشهد وهو رئيس كل لبنان وليس لجزء منه، استشهد وهو محط أنظار المسلمين قبل المسيحيين، استشهد وهو يعلن بالفم الملآن لا للاحتلالين السوري والاسرائيلي، استشهد والدوائر الرسمية في الدولة تسير بإنتظام وبحسب الأصول.

قصتي مع بشير لم تنتهِ هنا، ربما أغفلت ذكر لقاء آخر مع بشير كنت أفضّل أن لا يكون، لأنه سبّب لي ولجميع أفراد الشعب اللبناني وخصوصاً المسيحيون منهم جراحاً لا تندمل. ففي ليلة عيد الصليب 14 أيلول 1982، كنت أقف على شرفة منزل أحد الأصدقاء في الأشرفية والهدوء يعمّ المنطقة، فجأة دوى انفجار “مضغوط” ترددت أصداؤه في الأشرفية والمناطق المجاورة، ليروّج بعد دقائق قليلة، أن ما سمع لم يكن الاّ قارورة غاز انفجرت في الجوار!

لا شيء كان يخيفنا نحن جيل الحرب، فبقينا على الشرفة، نتطلع إلى الأفق لنستطلع ما جرى وما هي الاّ ثوان حتى تصاعد دخان من تلّة الأشرفية وعرفنا أنها ساحة ساسين، وسرعان ما بدأت الأخبار تتوالى عن تعرّض الشيخ بشير لعملية اغتيال. وبين آمال وحلم بأن يكون قد نجا وبين واقع استشهاده، تسمّرت عيني على عمود الدخان أتأمل به دامعاً بل باكياً متوجّساً بحدسي أن مشهد العنف سيعود ويتكرر لأن بطل قصص الطفولة وأساطيرها غاب، فأخرستني الصدمة، لكنها أنضجتني على نحو كافٍ لأنتقل من عالم الأساطير والروايات إلى واقع يكاد يتحوّل بدوره تاريخاً مجبولاً بالدماء والقهر والدموع.

شارك المقال