لم يحدث في تاريخ العلاقات الأميركية – الاسرائيلية أن واجه رئيس أميركي ما يواجهه جو بايدن مع رئيس وزراء اسرائيلي من طينة بنيامين نتنياهو، ولم يحدث أيضاً أن شعرت الولايات المتحدة بأن عليها حماية دولة يديرها رجل لا ترى فيه حليفاً موثوقاً أو عدواً جدياً.
ولم يحدث أيضاً منذ الثورة الاسلامية في العام ١٩٧٩ أن وجدت ايران نفسها في موقع مكشوف يضعها أمام واحد من خيارين: اما طي ملف الصراع المزمن مع كل من الولايات المتحدة واسرائيل وفق شروط غير مؤاتية، واما حرب شاملة وفق موازين غير متكافئة.
ولم يحدث منذ خروج “حزب الله” الى الضوء في العام ١٩٨٢ أن وجد نفسه أمام مأزق حاسم يضعه أيضاً أمام واحد من خيارين: اما كسر هيبته من خلال الانسحاب طوعاً الى شمال الليطاني، واما الانسحاب نحوه بالقوة وهما أمران يعنيان خلع مخالبه في الداخل والخارج معاً.
والواقع أن ما تعانيه واشنطن وطهران و”حزب الله” اضافة الى حركة “حماس”، يعود الى حقيقة واحدة، وهي أن كل هؤلاء يواجهون رجلاً في اسرائيل يريد المضي في الحرب حتى النهاية سواء رضيت أميركا أو اعترضت، وسواء انقلب عليه العالم كله أو تعاطف معه، معتبراً في كواليسه أن ما جرى في “السابع من أكتوبر” قرع جرس الانذار في اسرائيل ووضعها أمام واحد من خيارين: اما زوال الدولة العبرية واما زوال أعدائها.
وما يساعد نتنياهو على التسمر في هذه المكابرة، أنه مقتنع بثلاثة أمور رئيسة: الأول أن أمن اسرائيل أهم من حياة حفنة من الرهائن المحتجزين في غزة، وهو ما يفسر عجز “حماس” عن تطويعه أو لجمه في هذا الملف. والثاني أن ما جرى في غلاف غزة يمكن أن يجري من جنوب لبنان في يوم ما وبالتالي يجب التعامل مع هذه الجبهة ومع قائدها حسن نصر الله كما تعامل مع غزة وقادتها، أي حرب الأرض المحروقة وقطع الرؤوس الحامية. والثالث أن الادارة الأميركية لا يمكن أن تمارس المقامرة في الشرق الأوسط بحيث تحاول، كما في مرات سابقة، طمأنة اسرائيل وتهدئة ايران في الوقت نفسه، معتبراً أنه نجح في وضع بايدن أمام واحد من خيارين: اما التخلي عن اسرائيل لمصلحة محور الممانعة وكل من روسيا والصين، واما التخلي عن الرئاسة لمصلحة الجمهوري دونالد ترامب وهما أمران أحلاهما مر.
وبعيداً من التحليلات والقراءات والمفاوضات وسواها من عدة المبادرات والوساطات، بات العالم في شبه اجماع على أن التسويات المخدرة التي كانت تجوز في الحروب السابقة، انتهى مفعولها بعد “طوفان الأقصى”، وباتت المنطقة أمام الخيارات الصعبة التي لا تحتمل أي فجوات أو قنابل موقتة قد تنفجر لاحقاً، لافتاً الى أن نتنياهو الذي يدرك في قرارة نفسه أن ما فعله الجيش الأوكراني في كورسك الروسية بضوء أخضر من واشنطن، يمكن أن يتكرر في جنوب لبنان، أي الجبهة التي يعتبر الانتصار فيها مفتاحاً الى واقعين، الأول سلام دائم على الحدود الشمالية، والثاني اعادة ايران الى حدودها الطبيعية من دون أذرع أو أوراق ضغط قريبة أو مباشرة، اضافة الى واقع ثالث وهو على الأرجح وضع الشرق الأوسط في معظمه أمام حاجتين: الحماية العسكرية الأميركية أو السلام مع تل أبيب.
في اختصار، لا شيء يوحي بأن نتنياهو، الذي تمكن من تطويع “حماس”، واستعادة هيبة مخابراته التي ضربت رؤوساً كبيرة في غزة وبيروت وطهران، والقضاء على قسم كبير من القيادات التاريخية والمخضرمة في “حزب الله” اضافة الى تدمير الكثير من بناه التحتية ومعسكراته وترساناته، في وارد التراجع لا أمام الأميركيين بعدما جرّهم مرغمين الى حمايته لا حباً به بل حرصاً على اسرائيل، ولا أمام الرأي العام الاسرائيلي الذي بات مقتنعاً بأن ملف رهائنه لا يتقدم على أمن البلاد في حسابات رئيس وزرائهم.
وانطلاقاً من هذا الواقع، يمكن تفسير الاصرار الذي تبديه قوى الممانعة على وقف اطلاق النار في غزة بأي ثمن، بعدما توصلت الى اقتناع بأن “حماس” توشك القاء سلاحها، وبأن “حزب الله” سيكون الهدف الثاني لجنون بنيامين نتنياهو واليمين الاسرائيلي الذي بات البعض ينظر اليه على أنه “داعش اليهود” وليس آخر ملوكهم.
شيء واحد، يقول ديبلوماسي غربي يمكن أن يسحب شبح الحرب الشاملة من التداول هو التخلص من بنيامين نتنياهو سواء عبر انقلاب يقوده الجيش، وهو أمر غير وارد، أو عبر اغتياله وهو أمر لا تبدو ايران قادرة على تنفيذه، ولا تبدو أميركا في وضع تسمح به عشية انتخابات رئاسية لا تحتمل أي قرارات متهورة أو أي دعسات ناقصة تعطي الممانعة أي نصر من أي نوع وتعطي ترامب أي فرصة من أي نوع.
وأضاف: ان الأمل في حل سحري قد يخرج من أي قمقم سياسي في هذه المرحلة، لن يكون في متناول اليد ما دام السنوار حياً ونصر الله عدواً، وما دام هذا الرجل، أي نتنياهو، في الصورة الانتحارية التي تبقي الجميع اما على سلاحهم واما على أعصابهم.


