أثبتت المناظرة التلفزيونية بين المرشح الجمهوري دونالد ترامب والمرشحة الديموقراطية كامالا هاريس، أن من يربط حرب غزة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومدى تأثيرها على الجنون الذي يبديه رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، انما يستند الى حسابات خاطئة في أسوأ الأحوال أو غير دقيقة في أفضلها.
فالحماسة التي أبداها المرشحان حيال أمن إسرائيل ودورها العسكري في الشرق الأوسط، أسقطت عملياً كل النظريات والتحليلات التي يروّج لها الكثير من المراقبين المحليين والاقليميين والدوليين، على الرغم من أن هاريس تميزت عن منافسها بأمر واحد يتعلق بحل الدولتين، وأضاءت على الأسباب التي تقف وراء تشدد نتنياهو وعدم اكتراثه بما تحذر منه ادارة الرئيس جو بايدن أو بما تحاول فرضه أو تسويقه للحؤول دون انزلاق المنطقة الى خارج الخطوط الحمر المعروفة جيداً من جميع المتحاربين على طول خط النار الممتد من لبنان الى ايران.
وليس سراً أن نتنياهو، الذي قرأ في إمعان تاريخ العلاقات الأميركية – الاسرائيلية، يعرف أن واشنطن لا تملك في الشرق الأوسط شريكاً عسكرياً أوثق من اسرائيل، خصوصاً بعد سقوط ايران الشاه، وانتقال تركيا من حضن العلمانية الى حضن “الاخوان المسلمين” الذين انفلشوا في صورة لافتة صوب الأردن ومصر على الحدود مع الدولة العبرية وصوب قطر على الحدود مع دول الخليج، اضافة الى إخفاق عربي – اسلامي في التصدي للموجات الأصولية التي ضربت في أكثر من منطقة، وللميليشيات التي شكلت حصان طروادة ايرانياً تسلل منه “الحرس الثوري” الى أكثر من دولة عربية ومنها لبنان وسوريا والعراق واليمن، اضافة الى غزة والضفة الغربية.
وليس سراً أيضاً أن أميركا نفسها تعرف أن الحرب التي يخوضها نتنياهو هي حربها، وأن الطرف الذي يقاتله هو عدوها، وأن المناطق التي يحتلها أو يحاول احتلالها هي المناطق التي تهدد بتحويل جزء كبير من الشرق الأوسط الى قنابل موقوتة في مكان وجمهوريات اسلامية أصولية محتملة في مكان آخر.
ويكشف مصدر ديبلوماسي غربي أن ما يزعج الأميركيين ليس ما يرتكبه نتنياهو في غزة والضفة، بل البطء في حسم الأمور عسكرياً قبل توجه الناخبين الأميركيين الى صناديق الاقتراع بعد ثمانية أسابيع، مشيراً الى أن الأمر يتعلق بالظروف التي يمكن أن تساعد هذا أو ذاك على الفوز، وليس بمن يبدو مستعداً أكثر من سواه لمحاسبة هذا “اليهودي المتمرد”.
وانطلاقاً من هذا الواقع الذي جاهر به ترامب وهاريس علناً، لا يبدو منطقياً الرهان على أي تغيير دراماتيكي قد يعقب الانتخابات الأميركية سواء تعلق الأمر بحرب غزة أو بأي ملفات أخرى ومنها الانتخابات الرئاسية اللبنانية والاتفاق النووي الايراني، وهو ما يفسر التحول العسكري الاسرائيلي من غزة الى جنوب لبنان في خطوة توحي بأن نتنياهو يعرف أنه يملك فرصة ثمينة للانقضاض على “حزب الله” أو إضعافه مستفيداً من تلاقي المصالح مع الأميركيين والكثير من الدول العربية، اضافة الى وجود تصميم اسرائيلي على تطهير المناطق الحدودية من أي نفوذ عسكري ايراني أصولي، خصوصاً بعد العملية التي نفذها “اخواني” أردني على الجسر الذي يربط الأردن بالضفة، وبعد “الفورة الاخوانية” التي ظهرت في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
في اختصار، لا بد من قراءة موضوعية في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وهي الاستراتيجية التي تحددها وكالة الاستخبارات المركزية “السي آي اي” وينفذها البيت الأبيض، سواء تربع فيه رئيس ديموقراطي أو جمهوري، في وقت تكثر ايران من تحدياتها ومغامراتها وفي مقدمها تزويد روسيا صواريخ قيل انها تهدد الأمن الأوروبي، اضافة الى الانفلاش، وعبر الحوثيين، الى القرن الافريقي والمضي قدماً في طموحاتها النووية.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه المخاوف الأميركية مع العملية النوعية التي شنتها إسرائيل في منطفة مصياف السورية وتمكنت خلالها من تدمير منشأة ايرانية مخصصة لانتاج الصواريخ الدقيقة، في خطوة بدت وكأنها خدمة أخرى لأميركا وأوروبا بعد اغتيال فؤاد شكر قبل شهر.
ويختم سياسي غربي، أن السبيل الوحيد الى فك هذه التوأمة بين واشنطن وتل أبيب يحتاج الى واحد من أمرين: الأول، تفكيك الميليشيات الايرانية وفي مقدمها ميليشيا “حزب الله” وهو ما يحدث الآن جنوباً، والثاني ظهور “بطل” عربي أو دولة عربية قوية الى الحد الذي يلجم ايران من جهة، ويحد من انتشارها وخطورتها، ويرغم اسرائيل على وقف الحرب والذهاب الى السلام من جهة أخرى، مشيراً الى أن الأميركيين العالقين بين قوتين عظميين أي روسيا والصين، لن يتخلوا عن دولة نووية هي اسرائيل، في مقابل دول اقليمية لا تُقدم على الحرب ولا تجرؤ على السلام.


