أحدثت التقنيات الجديدة انقلاباً في ديناميكيات الحروب وباتت ساحات الصراع أرضاً خصبة لاختبار الاختراعات والذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أن الحرب لطالما شكلت محركاً رئيسياً للتقدم التكنولوجي، يشهد هذا العصر تغييراً أساسياً في طبيعتها بصورة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، وهذا يعني انقلاباً في طريقة خوض الصراعات والفوز بها في المستقبل.
ووفقاً لمقال في موقع “فوربس” الأميركي، “تضاعفت استخدامات التكنولوجيا.. من المسيرات المستقلة إلى الخوارزميات المصممة للتعرف على الوجوه، وباتت ساحات القتال أقرب الى أرض اختبار لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب حيث قد تنقلب الموازين أحياناً. ومن شأن الميزات التكنولوجية أن تمنح تفوقاً لخصم ما على خصم أكبر حجماً منه كما في المثال الروسي-الأوكراني.
كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في أوكرانيا؟
ووضع بعض الدول حسب “فوربس” التكنولوجيا عموماً والذكاء الاصطناعي خصوصاً على الخط الأمامي لاستراتيجيته الحربية. ومع اندلاع الحرب مثلاً في أوكرانيا حيث يعمل 300 ألف شخص في قطاع التكنولوجيا، تحول العديد من الشركات الناشئة إلى التطوير من أجل دعم المجهود الحربي. حتى أن الحكومة أنشأت منصة تمويل، Brave1، للسماح للشركات بعرض منتجات تكنولوجيا الدفاع التي تلقت آلاف الطلبات.
ولعل أهم الانجازات تمثلت في استخدام المسيرات المستقلة والتي تمتلك القدرة على تتبع الأعداء والاشتباك معهم من دون تفاعل بشري ونعني بذلك، الروبوتات القاتلة الحقيقية. وهناك أيضاً BAD One، روبوت مستقل يشبه الكلب صممته شركة Alliance البريطانية، يتحرك خلسة عبر مناطق القتال ويكتشف مواقع العدو وحقول الألغام باستخدام الرؤية الحرارية. كما يمكنه حمل الذخيرة لإعادة إمداد الجنود أثناء انخراطهم في القتال. وهناك المدفع الرشاش المستقل، الذي يُقال إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الأعداء المتحركين في الميدان واستهدافهم.
ولا يركز الذكاء الاصطناعي على هزيمة العدو على الدوام؛ فهناك حالات استخدام إنسانية أيضاً، كما في إعادة توطين اللاجئين والنازحين بسبب الصراع من خلال تتبع حالة الطرق والبنية الأساسية ومراقبة طرق الإمداد المستخدمة لتوصيل الغذاء والامدادات الأساسية. ويستخدم لتحليل تدفقات البيانات المنعزلة التي تقدم أدلة يمكن أن تساعد في إزالة الألغام الأرضية في ما أصبح البلد الأكثر تضرراً بالألغام في العالم.
وفي أماكن أخرى، تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع الأدلة التي يمكن أن تساعد في محاسبة أولئك الذين يرتكبون جرائم حرب. وترتبط الادعاءات والتقارير بصور الأقمار الصناعية التي تُظهر تحركات القوات، ويتم تحميل مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لبناء قضايا للملاحقات القضائية المستقبلية. كما استخدمت تقنية التعرف على الوجه، التي تقدمها شركة Clearview الأميركية، لتحديد هوية الجنود الروس الذين يعبرون الحدود، لتسهيل تعقبهم في أعقاب ذلك.
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الحرب
ويثير كل ذلك بصورة بديهية العديد من الأسئلة الأخلاقية حول الاستخدام المحتمل لمثل هذه التقنيات في مناطق الحرب مع مخاوف أوسع نطاقاً بشأن تطبيقاتها المستقبلية. وإذا تم نشر هذه الأدوات بالفعل في سياقات عسكرية، فهل هناك خطر من وصولها في النهاية إلى بيئات مدنية؟ يستحق هذا الاحتمال دراسة متأنية. أما السؤال الكبير فيتمحور حول السماح للآلات باتخاذ قرار القتل. وبينما يُقال إن الكلاب الروبوتية تُستخدم للاستطلاع وإعادة الإمداد، أظهرت الصين تقنية مماثلة مزودة بمدفع رشاش وقادرة على المشاركة في القتال.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الحرب
يعلمنا التاريخ أن الحرب لا تترك مجالاً للنزاهة ويذكرنا ما يحدث على الأرض بأن التطورات التكنولوجية والأخلاقية لا تتقدم دائماً بالسرعة نفسها. وفي حين قد يقلل الذكاء الاصطناعي من الخسائر البشرية، يثير تساؤلات صارخة حول مستوى القوة والاستقلالية التي نود تسليمها للروبوتات. وستحسم الطريقة التي نجيب بها عن هذه الأسئلة تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع في أوقات السلم والحرب.
وختاماً، من خلال معالجة الأسئلة الأخلاقية وتنفيذ التنظيم المستهدف، يمكن لصنّاع السياسات التخفيف من المخاطر المرتبطة بالمشاركة الرقمية في الحرب الحديثة، وتعزيز الأمن وضمان استخدام التقنيات الرقمية بصورة مسؤولة”.


