“الحرب السيبرانية”… لبنان يواجه تحديات لحماية أمنه

فاطمة البسام

ظهر مصطلح “الحرب السيبرانية” لأول مرة عام 1993، وانتشر حينها انتشاراً واسعاً، ونشرت عنه مؤسسة “راند الأميركية للأبحاث والتطوير” (RAND Corporation) كُتيّباً بعنوان “الحرب السيبرانية قادمة”، وكانت فرضيتها بسيطة، وهي أن ثورة المعلومات ستغيّر من طبيعة النزاع المسلح، وسنحتاج إلى لغة جديدة لوصفها.

برزت الحرب السيبرانية، واعتبرها العالم كله تهديداً عالمياً، ويزيد من شراستها قدرتها على تحديد نقاط ضعف العدو واختراقها بغموض وخفية. فهي تهدف مثلاً إلى مهاجمة شبكات الكهرباء ومحطات معالجة المياه وشبكات الاتصالات والبنوك، وقد تتسع خطورتها لتشمل كل شيء تقريباً، بما في ذلك عمليات التجسس، ونشر معلومات مضللة، وشن هجمات على البنية التحتية للمعلومات.

ولم تعد المواجهات محصورة في ساحات القتال التقليدية، بل توسّعت لتشمل الفضاء الالكتروني، فالحرب السيبرانية تمثل ساحة المعركة الجديدة في العصر الرقمي، حيث تستخدم الدول والمنظمات والفاعلون غير الحكوميين أدوات وتقنيات رقمية لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية بأدوات وتقنيات تتطور بسرعة مذهلة.

تشمل الأدوات المستخدمة في الحرب السيبرانية: البرمجيات الخبيثة، أدوات التجسس الالكتروني، هجمات (DDoS) وأساليب الهندسة الاجتماعية.

يمكن تتبّع جذور الحرب السيبرانية إلى نهاية القرن العشرين، لكنها بدأت تأخذ شكلاً ملحوظاً ومتقدماً مع بداية القرن الحادي والعشرين، خصوصاً مع تطور الانترنت والتكنولوجيا الرقمية. ومن الأمثلة الحديثة: هجمات Stuxnet على إيران في العام 2010 مع أن الولايات المتحدة لم تعترف رسمياً بدورها، إذ يعتقد على نطاق واسع أنها، بالتعاون مع الجيش الاسرائيلي، قد طوّرت ونشرت دودة Stuxnet، وهي برمجية خبيثة مصممة خصيصاً لتعطيل أجهزة الطرد المركزي النووية الايرانية. هذه العملية هي واحدة من أكثر الهجمات السيبرانية المعقدة والمتقدمة التي كُشف عنها علناً.

وتعد الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل، من بين الدول الرائدة في مجال الحرب السيبرانية. وإسرائيل، بالتحديد، صاحبة سمعة لافتة في مجال الأمن السيبراني، وهي من الدول الرائدة في تطوير أدوات الحرب السيبرانية وتكتيكاتها.

تخصص هذه الدول موارد كبيرة ووحدات خاصة للقيام بهذه العمليات، لا سيما في إسرائيل وأميركا، حيث إنّ كلتيهما لديهما وكالات متخصصة في الحرب السيبرانية، مثل: القيادة السيبرانية الأميركية (USCYBERCOM) في الولايات المتحدة ووحدة 8200 في الكيان المؤقت.

وتشير الروايات الأمنية التي نشرت في أكثر من صحيفة أجنبية، إلى أن إسرائيل كانت تحضّر منذ عام 2022 للهجوم الذي استهدف شبكة “حزب الله” اللاسلكية، لا وبل ذهبت إلى أبعد من ذلك، وتحدثت عن شركات تجارية وهمية، قامت بعدّة صفقات لها علاقة بأجهزة “البايجر”، والتي يعتقد أنها الشحنة التي وصلت إلى لبنان. ولا يستبعد هذا الأمر أحد الخبراء التقنيين وفق ما قاله لموقع “لبنان الكبير”، مشيراً إلى أن هناك ثغرة سمحت بالخرق الذي حصل، وهذا الخرق حصل من داخل التنظيم.

أمّا النظرية الأكثر ترجيحاً بحسب المصدر، فهي أن هذه الأجهزة تم التلاعب بها، وعندما جاءت لحظة الصفر، قام أحد ما بتفجيرها خوفاً من انكشاف الأمر، وهنا يقصد الخبير بالتلاعب أنه تم تعديل برمجيات هذه الأجهزة ووضع “كود” معيّن لها، يمكن تفعيله عبر إرسال معينة، بالاضافة إلى استعمال مواد متفجرة خفية، وإلاّ كانت كلّ الـ “بايجرز”، والأجهزة اللاسلكية في لبنان انفجرت، لذلك ما قام به الاسرائيليون هو Targeted Attack.

أين نحن اليوم من هذا التطوّر؟

وبحسب خبير تقني لموقع “لبنان الكبير”، فان “لبنان بدأ باتخاذ خطوات جادة نحو تطوير استراتيجيته الوطنية للأمن السيبراني (1) وذلك في العام 2019، في عهد حكومة الرئيس سعد الحريري. تتضمن هذه الاستراتيجية وضع مشاريع قوانين وتدابير لحماية البنية التحتية الحيوية للبلاد من الهجمات السيبرانية، بالاضافة إلى تعزيز قدرات الاستجابة لمثل هذه الهجمات. وفي هذا الاطار؛ قامت الحكومة اللبنانية بإطلاق عدة مبادرات، منها إنشاء وحدات خاصة داخل القوات الأمنية لمكافحة الجرائم الالكترونية وتطوير برامج لتدريب الكوادر المتخصصة في هذا المجال”.

مع ذلك يضيف؛ “تواجه لبنان تحديات جمّة في تنفيذ استراتيجيته السيبرانية، تتمثل أبرزها في نقص الموارد المالية والمشكلات السياسية المستمرة والحاجة إلى تحديث التشريعات القانونية لتواكب التطورات التكنولوجية السريعة. كما أن هناك حاجة ماسة الى تعزيز التعاون الدولي والاقليمي، في هذا المجال، لتبادل الخبرات والمعلومات التي تساعد في رفع كفاءة الاستجابة للتهديدات السيبرانية”.

وتعليقاً على الهجومين السابقين اللذين طالا أجهزة التواصل الخاصة بـ”حزب الله”، علّق مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بالقول: “إن الاستهداف المتزامن لآلاف الأفراد، سواء كانوا من المدنيين أم عناصر في جماعات مسلحة، من دون معرفة من كانت بحوزته الأجهزة المستهدفة وموقعها ومحيطها وقت الاعتداء، ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني في حدود قابليته للتطبيق”.

شارك المقال