مع وقوف الحرب الاسرائيلية في غزة على مشارف عامها الأول، لا تزال ترددات هجوم “طوفان الأقصى” تعصف بدعائم الاقتصاد الإسرائيلي الذي يشهد منذ السابع من تشرين الأول 2023 هزات عنيفة غير مسبوقة، أدّت إلى تهاوي أسس النمو وازدياد حدة الأزمات المالية. فبحسب تقرير صادر عن مكتب الإحصاء المركزي، شهد الاقتصاد في إسرائيل انكماشاً حاداً خلال الربع الثاني من العام 2024، مع تسجيل الناتج المحلي الاجمالي انخفاضاً بنسبة 0.9 في المئة مقارنة بالربع السابق.
تدهور النمو والتصنيف
وبعد مرور أكثر من 11 شهراً على اندلاع الحرب، تواصل اسرائيل مواجهة أكبر تحدٍ اقتصادي لها منذ سنوات، إذ أظهرت البيانات أن اقتصادها هو الأشد تباطؤاً بين أغنى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما أنّ الحرب المتمادية تستمر في إلحاق الضرر بالتمويل الاسرائيلي، والاستثمارات التجارية، وثقة المستهلكين، وفق تقرير صادر عن موقع “ذا كونفيرزيشن”.
التقرير أشار إلى أنّ انهيار الوضع المالي في إسرائيل أجبر وكالات التصنيف الائتماني الكبرى على خفض تصنيف البلاد، بحيث خفضت وكالة “فيتش” درجة إسرائيل الائتمانية من A+ إلى A في آب الماضي، نظراً الى زيادة إنفاقها العسكري الذي ساهم في تفاقم العجز المالي. وحذّرت الوكالة من إمكان أي إنفاق عسكري إضافي محتمل، وتدمير البنية التحتية، وتفاقم الأضرار المستمرة للنشاط الاقتصادي والاستثمار، مُتوقعة أن يستمر الصراع في غزة حتى العام 2025.
كما حذّر بنك إسرائيل من أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات المالية للحكومة المتعلقة بزيادة الإنفاق، قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة التضخمية الحالية. وفي توقعاته الصادرة في شهر تموز 2024، خفّض البنك توقعاته للنمو الاقتصادي لعام 2024 من 2.8 في المئة إلى 1.5 في المئة. كما قدّر أن تبلغ تكلفة الحرب 67 مليار دولار أميركي بحلول العام 2025. وعلى الرغم من توفير حزمة مساعدات من الولايات المتحدة قيمتها 14.5 مليار دولار أميركي، إلا أن هذه الموارد المالية قد لا تكون كافية لتغطية التكاليف المطلوبة.
وفي اجتماعها الدوري الذي انعقد في أواخر آب، صوّتت اللجنة النقدية بالإجماع على الحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي من دون تغيير عند مستوى 4.5 في المئة، وذلك للمرة الخامسة على التوالي، مشيرةً إلى أن هذا القرار يأتي في إطار سعيها الى التوازن بين الاستقرار المالي ودعم النمو الاقتصادي، وذلك بعد أن قامت في كانون الثاني الماضي بخفض سعر الفائدة بنسبة 25 نقطة أساس، واستبعد مسؤولون في بنك إسرائيل إمكان خفض أسعار الفائدة حتى نهاية العام الجاري.
عجز متنامٍ
بدورها، أعلنت وزارة المالية عن تخفيض توقعاتها بشأن نمو الاقتصاد، وذلك في ظل تزايد المخاوف بشأن توسع نطاق الحرب. وبحسب أرقام الوزارة، سجلت إسرائيل عجزاً في الموازنة بمقدار 12.1 مليار شيكل (3.24 مليارات دولار) في آب الماضي في إشارة إلى زيادة نفقات الحرب في قطاع غزة. وكانت موازنة 2025 قد تضمّنت اجراءات تقشفية صارمة، تشمل خفضاً في الإنفاق العام بقيمة 35 مليار شيكل وتجميداً للزيادات كافة في الضرائب والمزايا والأجور.
وقد بلغ إجمالي الإنفاق على الحرب، منذ اندلاعها في تشرين الأول الماضي، نحو 100 مليار شيكل (أي ما يعادل 26.59 مليار دولار أميركي)، ما أدّى إلى ارتفاع العجز المالي بصورة ملحوظة خلال الفترة المنتهية في آب، بحيث بلغ 8.3 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، مقارنة بـ 8 في المئة في تموز. وتعكس هذه الأرقام تدهور الأداء المالي، خصوصاً بالمقارنة مع الهدف المحدد لعام 2024 والذي يبلغ 6.6 في المئة. ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي للعجز خلال الربع الثالث قبل أن يعود إلى المستوى المستهدف في نهاية العام.
تضخم وهروب استثمارات
على صعيد آخر، سجل معدل التضخم السنوي ارتفاعاً ملحوظاً في تموز، ليصل إلى 3.2 في المئة مقارنة بـ2.9 في المئة في الشهر السابق، متجاوزاً بذلك النطاق المستهدف من الحكومة والذي يتراوح بين 1 و3 في المئة، بعد أن تراجع إلى 2.5 في المئة في شباط. وأكّد البنك أن التضخم سيستمر في الارتفاع فوق 3 في المئة حتى العام 2025 على الأقل.
من ناحية أخرى، كشف تقرير اقتصادي نشرته صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية عن تراجع حاد في الاستثمارات الاسرائيلية بلغ 60 مليار شيكل منذ انطلاق العمليات العسكرية في غزة. إذ وصل حجم الاستثمارات في الربع الثاني من العام الحالي إلى 108 مليارات مقارنة بـ 128 مليار في الربع نفسه من العام الماضي، بفارق 20 ملياراً. وارتفعت الاستثمارات الخارجية بصورة ملحوظة بنحو 30 في المئة في الربع الأول من السنة الحالية لتصل إلى 9.2 مليارات دولار مقارنة بـ 2.2 مليار دولار في الربع المقابل من العام الماضي، ما يشير إلى هروب الاسرائيليين للاستثمار في الخارج.
وقد أدّت الحرب إلى تراجع حاد في قطاعي البناء والزراعة، بحيث انخفض نشاط البناء بنحو الثلث، كما انخفض الإنتاج الزراعي بنسبة 25 في المئة في بعض المناطق. في حين أشارت التقديرات إلى أنّ أكثر من 60 ألف شركة إسرائيلية مهددة بالإغلاق الكامل في العام 2024 نتيجة نقص الموظفين وانقطاع سلسلة التوريد وتراجع ثقة الأعمال، ما دفع بعض الشركات إلى تأجيل مشاريعه الجديدة.
تكاليف مفتوحة
وسط تصاعد المخاوف من توسع الحرب على نطاق إقليمي، تخيّم حالة عدم اليقين على مختلف جوانب الاقتصاد الاسرائيلي الذي يشهد تدهوراً حاداً في مختلف مؤشراته الكلية. إذ يُتوقع أن تصل تكاليف الحرب إلى 120 مليار شيكل وهو ما يمثل نسبة تقدر بـ 20 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي السنوي. ومع تخطي الحرب كل التوقعات والمستويات، يواصل الاقتصاد الاسرائيلي الغرق في دوامة مُهلكة، لا تُبشّر إلا بمزيد من التخبط والانهيار الشامل.


