بعد أكثر من ثلاثين عاماً أمضاها أميناً عامّاً لحزب الله كما قائداً لمختلف القوى والمنظمات الشيعية التي تدور في فلك المحور الإيراني الممانع من لبنان إلى سوريا واليمن والعراق، زعامة غير مسبوقة في تاريخ الأحزاب تقلدها السيد حسن نصر الله بفعل مواجهة عدو مشترك للمسلمين والعرب، وتوجت زعامته الأذرع الإيرانية في المنطقة خصوصاً بعد مقتل سليماني مطلع العام 2020. تفاعلت المواجهات العسكرية بين الحزب وإسرائيل في سياق جبهة إسناد غزة حتى طالت نيرانها رأس المقاومة وجسدها، فأين أخطأ الحزب وما هو طريقه غداً؟
السيد القائد
عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وعلى أثر إعلان رئيس حركة أمل نبيه بري عن استعداده للإنضمام إلى هيئة الإنقاذ الوطني التي ضمت إلى جانبه كلَّاً من رئيس الجمهورية الياس سركيس، رئيس الحكومة شفيق الوزان، وليد جنبلاط، بشير الجميل وغيرهم، انقسمت الحركة إلى محورين، الأول برئاسة بري والثاني برئاسة عباس الموسوي الذي دعا رفاقه في الحركة إلى الانشقاق والانضمام إلى تنظيم وليد سمي “حزب الله”، فكان حسن نصر الله أول الملتحقين وأبرز المؤسسين. شارك نصر الله في تأسيس حزب الله عام 1982 وهو في الثانية والعشرين من عمره. انحصرت مسؤولياته الأولى بالتعبئة وإنشاء الخلايا العسكرية. تولّى لاحقاً منصب نائب مسؤول منطقة بيروت، ثم أصبح مسؤولاً عليها. استحدث لاحقاً منصب المسؤول التنفيذي العام الذي شغله نصر الله أيضاً وأصبح بذلك عضواً في مجلس الشورى، وهو أعلى هيئة قيادية في الحزب. في العام 1989، غادر بيروت إلى قم في إيران حيث تابع دراساته الدينية هناك. وفي العام 1991 وعلى أثر التطورات في الساحة اللبنانية والنزاعات المسلحة بين حزب الله وحركة أمل عاد إلى لبنان، وانتخب عندها عباس الموسوي أميناً عاماً للحزب ونعيم قاسم نائباً له، فعاد نصر الله واستلم مسؤولياته التنفيذية السابقة.
في 16 شباط 1992، انتخب حسن نصر الله أميناً عاماً لحزب الله عقب قيام إسرائيل باغتيال عباس الموسوي، وفي خلال ولاية نصر الله حصل حزب الله على صواريخ وأسلحة نوعية شكلت محطة مفصلية في تاريخ الحزب لناحية التسلح ومواجهة إسرائيل وتحرير الأسرى وتقديم ابنه على مذبح إحدى المواجهات. كذلك دخل حزب الله لأول مرة منذ تأسيسه إلى مجلس النواب بكتلة نيابية تألفت من 12 نائباً، كما شارك في الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992 وحتى اليوم بذريعة حماية ظهر المقاومة تشريعياً وسياسياً عبر مجلسَيْ النواب والوزراء.
أخطاء الإسناد
منذ اندلاع عملية طوفان الأقصى ضد العدو الإسرائيلي في 7 تشرين الأول 2023، التحق حزب الله في صد العدوان عن غزة عبر جبهة الإسناد التي ربطها السيد حسن نصر الله بمسار الحرب الدائرة على القطاع، وتراوحت المواجهات بين الحزب وإسرائيل بمناوشات متنقلة وبردود فعل أو افتعالها إلى أن وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه مضطراً للبحث عن مخرج للأنفاق التي تاه وجيشه فيها، فوضع بالإضافة إلى بعض رجالات حماس قادة حزب الله على رأسهم أمينه العام على لائحة أهدافه العسكرية في سبيل إضعاف جبهة الإسناد ودفع حركة حماس وكتائب القسام إلى تليين الموقف التفاوضي فاستهل اغتيالاته بالقائد الثاني في الحزب فؤاد شكر مروراً بأبرز رجالاته وصولاً إلى أيقونة المقاومة التي يعتنقها معظم الشيعة والممانعين السيد حسن نصر الله، إلا أن هناك مَنْ يعتقد أن الحزب قد أخطأ في تكتيكات الثأر من قَتَلَة قادته إلى أن وصل حدَّ الانهيار شبه الكامل وإن لم يكن كذلك، إذ بالنظر إلى السرعة التي تدحرجت فيها عزائم الحزب أوحتْ بوصوله إلى نقطة اللاعودة، وربما يعود ذلك إلى عاملين أساسيين:
أولهما، شبه الاستسلام الكلي الذي بدا واضحاً من خلال الرد العسكري الخجول على مقتل شكر خصوصاً أن السيد ربطه بالرد الإيراني الذي لم يأتِ على مقتل هنية في طهران، ليأتي رد الحزب متأخراً وضعيفاً لا يساوي سلاحاً أبيض أمام قنبلة بالنظر إلى ترسانته العظيمة التي لطالما تباهى بها، فأرسل بضعة صواريخ معتبراً أن المهمة قد تمت بنجاح على وقع دعوة أهل الجنوب للعودة إلى ديارهم ما أوحى للإسرائيليين بعدم رغبة الحزب في المواجهة ليتفاوض نائب الرئيس الإيراني محمد جواد ظريف بهدوء على كيفية تلقي دفعات الحساب من الأميركيين.
ثانيهما، خروقات أمنية متعددة أو انكشاف استخباراتي داخلي أو فشل تنظيمي قاتل، تتعدد الاحتمالات والنتيجة واحدة، تمكن العدو الصهيوني من الوصول إلى سيد المقاومة تحت شعار “المعلومة الذهبية” التي وصلته عبر عملاء أذهل وجودهم خصوم المقاومة قبل حلفائها، على اعتبار أن تنظيم حزب الله يتميز بتماسك قوته وتعقيد هيكليته التي اعتقد العالم حتى الأمس القريب أن اختراقها أقرب إلى المستحيل فظهر بصورة الفاشل والمخترق وغير المؤهل لمواجهة إسرائيل وتعبيد طريق القدس.
مستقبل الحزب
حتى العام 1992 تاريخ تسلم حسن نصر الله الأمانة العامة، كان حزب الله مجرد تنظيم سياسي وعسكري يعتنق الجهاد ضد إسرائيل عقيدة كما رفع شعار “حجابك أغلى من دمي”، إلا أنه تجلى على يد السيد بدوره الحقيقي كحزب وظيفي مذهبي تمكن من استقطاب معظم الشيعة خلفه خصوصاً المؤمنين بولاية الفقيه ليجعل منه أداة تنفيذية لتحقيق المشروع الإيراني. ومنذ ذلك التاريخ استطاع السيد الراحل الانتقال بالحزب إلى مكان لم يتمكن طرف في المنطقة من تخطيه، فهو لم يمسك بمقاليد سلطة الدولة اللبنانية وبنى أخرى رديفة وحسب، بل تعاظم دوره على صعيد المنطقة والإقليم فأدار ملفات سوريا والعراق واليمن.
بعد احتلاله شوارع بيروت عام 2007 وارتكابه 7 أيار 2008 المجيد خفتت هالة حزب الله المقاوماتية الأسطورية وانطفأت كلياً بدخوله إلى سوريا عام 2012 بذريعة حماية مقامات الرموز الشيعية، حالٌ من التشكيك النضالي والنفور المذهبي والرفض المجتمعي طبعت علاقات الحزب بمعظم اللبنانيين والعرب والمسلمين الذين نزعوا عنه صورة المقاومة واستبدلوها بأخرى توصّف حقيقة الحزب ووظيفته الأساسية غير المنتمية إلى ثقافة المجتمعات المحلية والإقليمية.
فتح التراجع الإيراني عن الثأر لمقتل هنية وتفاوض ظريف الاقتصادي مع الأميركيين باب التأويلات حول صفقات تجارية عقدها الإيرانيون مع الولايات المتحدة أدت إلى تخلٍ ظرفي أقله عن حزب الله تمثل بانفجار البايجر ووصل إلى اغتيال نصر الله من دون معرفة وجهة الوصول النهائية، ولكن من الواضح أن الحزب بعد سيده لن يكون كما قبله. حزب الله سيحتفظ بمكانته الوطنية وسيلعب دورياً سياسياً كبيراً في الداخل اللبناني حصراً وسيخرج من المنطقة العربية وسيبقى على عدائه مع إسرائيل وسيصبح أقرب إلى مناقشة الاستراتيجية الدفاعية التي ظل يرفضها حتى اليوم وسيطبق كامل القرار 1701 وربما تتوسع صلاحيات القوات الدولية لضبط الحدود مع فلسطين المحتلة.
حزب الله العسكري سيرتدي ثوب السياسة اللبنانية والشراكة الوطنية، سيبدو ضعيفاً بالمقارنة مع السابق خصوصاً مع تهاوٍ واضح للغة التهديد والوعيد على اعتبار أنه أطاح فرصة استخدام صواريخه بحجم تهديده للعدو الإسرائيلي لتغدو الصواريخ نفسها عبئاً ثقيلاً عليه في الاستحقاقات الداخلية، ثم إن أي شخصية ستخلفه في الأمانة العامة للحزب لن تتمكن من ملء مكانه ومكانته على الصعيدين التنظيمي والجماهيري.
لا شك في أن حزب الله وإن ظهر بحلته الجديدة الخافتة سيبقى حاجة إيرانية مستقبلاً بالنظر إلى دوره الوظيفي الذي أنشئ بموجبه لتستخدمه ساعة تحين استحقاقاتها الداخلية خصوصاً وأنها تسعى كزعيم أوحد للشيعة إلى الجلوس على مقاعد القوى الشريكة والفاعلة في صناعة السياسات الدولية. كما ستجد إسرائيل نفسها في حاجة قصوى إلى عدو مفترض تجير من خلاله الدعم الدولي والتأييد السياسي لكيانها المحتل وإلا انتفى عدوانها يميناً شمالاً.


