أهداف نتنياهو مستحيلة التحقيق

محمد شمس الدين
نتنياهو

يبدو أن الحرب التي تشنها اسرائيل اليوم على لبنان لم تعد مقتصرة على فرض منطقة آمنة بقطر ١٠ كيلومترات على الحدود، هذا إن لم يكن العنوان هو حجة اسرائيل للهدف الذي أعلن عنه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في خطابه الأربعاء، أي تحرير لبنان من “حزب الله”.

ولأن التفوق الجوي وحده لا يحسم المعركة، بدأ الجيش الاسرائيلي عملية برية، لمحاولة تحقيق هدف القضاء على “حزب الله”.
وعلى الصعيد السياسي، كشفت هيئة البث الاسرائيلية أن تل أبيب فاتحت واشنطن بفكرة دعم انتخابات جديدة في ‫لبنان‬ واستخدام وساطة قطر من أجل تحقيق هذا الأمر، مشيرة الى أن المسؤولين الاسرائيليين اعتبروا أن الانتخابات الجديدة في لبنان قد لا تضعف موقف “حزب الله” وحسب، بل إنها تساهم أيضاً بصورة كبيرة في الدفع باتجاه اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان واسرائيل.‬

وأوضحت أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اتصل الأحد الماضي بمسؤولين كبار من ‫قطر‬ والسعودية‬ وفرنسا‬، وطلب مساعدتهم في تسهيل انتخاب رئيس جديد في لبنان، وذلك من ضمن سياق الاقتراح الاسرائيلي بإضعاف الحزب سياسياً.‬‬‬
وهنا لا بد من التساؤل عن واقعية الهدف الاسرائيلي ‏وامكان تحقيقه؟

لعل الجواب يكمن في التاريخ قبل الوقائع المباشرة على الأرض اليوم.

فقد شنت الولايات المتحدة حرباً ضروساً ضد تنظيم “القاعدة” عام 2001، بعد هجمات 11 أيلول، وأسست تحالفاً دولياً ضخماً ضمّ دول حلف الأطلسي ودولاً أخرى لمساندتها في الحرب، وفي نهاية العام 2004 قالت إنها قضت على ثلثي أعضاء التنظيم فقط، وأعلنت نهاية الحرب عام 2021، لتعود حركة “طالبان” التي تعتبر راعية للتنظيم وتتولى حكم أفغانستان، بعد انسحاب القوات الدولية.

وكذلك الحرب على تنظيم “داعش” تمت بتحالف دولي كبير ضم 87 دولة، وبدأت عام 2014، وأعلن عن القضاء على التنظيم عام 2019 بعد سقوط أخر معاقله في باغوز بسوريا، وعلى الرغم من ذلك لا يزال التنظيم يمتلك خلايا نائمة ولديه هيكلية تنظيمية.

ويتشابه “حزب الله” في هيكليته مع هذه التنظيمات، بل قد يكون عتاده وإمكاناته أقوى، ولكن يختلف عنها بالأيدولوجية، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والعديد من الدول صنّفته ارهابياً، إلا أن الحزب لا يهدف الى تأسيس إمارة اسلامية بالقوة، تحديداً لأن منشأه هو لبنان، البلد المتميز بالتعددية، ولذلك وجد الحزب بيئة حاضنة حتى خارج دائرته الطائفية، وفي دول أخرى كسوريا والعراق واليمن، التي تتشارك معه العداء لاسرائيل.

والتنظيمات مثل هذه تكون عادة مثل “الهايدرا”، يقطع لها رأس فينبت مكانه رأسان، ولا يمكن القضاء عليها بسهولة، بل يستحيل ذلك، فكيف بـ “حزب الله” الذي لديه المئات من الرؤوس التي يمكن أن تنبت مكان أي قيادي يخسره، حتى لو كان الأمين العام؟ كما أن الحزب متأصل بالأرض وبالقاعدة الشعبية التي بنى لها مؤسسات رعاية اجتماعية لدرجة أنه اتهم ببناء نظام مالي له موازٍ لأنظمة الدولة.

عدا عن ذلك تثق البيئة الحاضنة بالحزب بعد تجارب عديدة عوّض فيها عليها ما دمرته اسرائيل بحروبها، وبالتالي من الصعب جداً تفكيكه سياسياً واجتماعياً، لا بانتخابات مبكرة ولا برئيس جمهورية “يطعن” بظهر المقاومة، ولا حتى لو كانت الغالبية في المجلسين النيابي والوزاري ضده، كون بيئته الحاضنة تدعمه، وتشكل جزءاً كبيراً من مكون أساسي.

أما عسكرياً فسيحتاج الأمر وقتاً طويلاً، لأن الحزب أعدّ نفسه للصمود سنوات تحت النار، ويستطيع خلالها التجنيد والتدريب واعادة بناء كل ما دُمر، بل تشير التقديرات الى أن باستطاعته الاستمرار في قصف المستوطنات شمال فلسطين المحتلة مهما اشتد الحصار الاسرائيلي، وغير الاسرائيلي.

وبالتالي تبدو أهداف نتنياهو مستحيلة، فإن كانت التحالفات الدولية من عشرات الدول لم تتمكن من القضاء على تنظيمات كـ “القاعدة”، أي أمل يكون لدى اسرائيل وحدها في انهاء تنظيم يعتبر ذراعاً أساسية لايران وتدعمه بكل قوتها عبر امتداد بري مفتوح، بالاضافة إلى تأصله بالأرض والشعب؟

يرى نتنياهو أن الطريقة الوحيدة لزعزعة “حزب الله” هي عبر إلهائه بالداخل، ومن هنا أتت دعوته إلى اللبنانيين للتحرك من أجل التحرر من الحزب، ولكن غاب عنه أن لبنان لن ينفذ أهواء اسرائيل حتى لو كانت هناك مكونات لديها مشكلة مع الحزب وأدائه، فقد ولى زمن الفتن الداخلية، لا سيما أن الحزب يمتلك حلفاء لدى المكونات الأخرى، عدا عن أن الرئيس نبيه بري لن يسمح بأن يستفرد أحد لا بالحزب ولا بأي فريق يمثل مكوناً أساسياً.

شارك المقال