أصدرت منظمة التجارة العالمية تحديثاً طفيفاً لتوقعاتها بشأن نمو التجارة العالمية للسلع، بحيث ارتفعت التوقعات لعام 2024 إلى 2.7 في المئة بدلاً من 2.6 في المئة إلا أنها انخفضت لعام 2025 إلى 3.0 في المئة بعد أن كانت 3.3 في المئة في التوقعات السابقة الصادرة في نيسان الماضي. ووفقاً للمنظمة، يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً إيجابياً بفضل تخفيف الضغوط التضخمية، ما أتاح للبنوك المركزية تخفيض أسعار الفائدة، وهو من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الاستهلاك والاستثمار والتجارة العالمية. ومع ذلك، تبقى المخاطر الجيوسياسية والصراعات الاقليمية والسياسات غير المؤكدة عوامل قد تؤثر سلباً على هذا التعافي.
نمو متباين
التقرير الذي جاء تحت عنوان “آفاق التجارة العالمية والاحصائيات”: تحديث تشرين الأول 2024، أشار إلى أن التباين في أداء القارات يُعد العامل الرئيسي المؤثر في هذه التغييرات. فقد شهدت أوروبا انخفاضاً في الطلب، بينما سجلت آسيا نمواً غير متوقع. ومن المرجح أن تتصدر منطقة آسيا قائمة المناطق الأكثر نمواً في العام 2024، مع توقعات بزيادة الناتج بنسبة 4.0 في المئة. في المقابل، يُتوقع أن تتذيل أوروبا قائمة المناطق الأبطأ نمواً، بحيث أشارت التوقعات إلى نمو يبلغ 1.1 في المئة. وقد انعكس التباطؤ الاقتصادي في أوروبا بصورة مباشرة على ألمانيا، التي شهدت انكماشاً في الناتج المحلي الاجمالي خلال الربع الثاني.
كذلك، استقرت قيمة التجارة العالمية للسلع بالدولار الأميركي تقريباً خلال النصف الأول من العام 2024 مقارنة بالعام السابق. وفي موازاة ذلك، شهدت تجارة الخدمات قفزة ملحوظة بنسبة 8 في المئة في الربع الأول. وأشار التقرير إلى وجود تفاوت في أداء القطاعات الاقتصادية، بحيث سجل انخفاض في أسعار التصدير والاستيراد بنسبة 2.6 في المئة، في حين شهد قطاع السفر نمواً ملحوظاً بنسبة 19 في المئة خلال الربع الأول.
وتراجع التضخم بصورة لافتة بحلول منتصف العام 2024، ما منح البنوك المركزية هامشاً وسع لتخفيض أسعار الفائدة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الانخفاض في التضخم إلى تعزيز المداخيل الحقيقية للأسر وزيادة إنفاق المستهلكين، بينما سيسهم خفض أسعار الفائدة في تحفيز الإنفاق الاستثماري من الشركات.
آسيا تتصدّر
وبالتطرق إلى التفاصيل المتعلقة بالتوقعات التجارية، فقد استندت التوقعات الحالية إلى نمو الناتج المحلي الاجمالي المتوقع للسوق العالمية بنسبة 2.7 في المئة خلال العام الحالي. ومن المتوقع أن تتصدّر آسيا قائمة النمو بنسبة 4.0 في المئة، تليها منطقة رابطة الدول المستقلة بنسبة 3.8 في المئة، ثم إفريقيا بنسبة 3.3 في المئة. بينما يُتوقع أن ينمو الناتج في أميركا الشمالية بنسبة 2.4 في المئة، والشرق الأوسط بنسبة 1.9 في المئة، وأميركا الجنوبية بنسبة 1.8في المئة، وأخيراً أوروبا بنسبة 1.1 في المئة.
وفي العام 2025، سيظل نمو الناتج المحلي الاجمالي العالمي من دون تغيير بينما ستشهد التجارة العالمية تعافياً محدوداً لتصل إلى 3.0 في المئة، مدعومةً بالدور الايجابي للاتحاد الأوروبي. وسوف تتفوق آسيا على المناطق الأخرى، بحيث من المتوقع أن تحقق نمواً في الصادرات والواردات بنسب 4.7 و5.1 في المئة على التوالي. كما يُتوقع أن تشهد جميع المناطق زيادة في تدفقات التجارة من حيث الحجم في العام عينه، باستثناء انخفاض طفيف في صادرات أميركا الجنوبية بنسبة -0.1 في المئة وانخفاض أكبر في واردات الشرق الأوسط بنسبة -1.1 في المئة.
خريطة التجارة العالمية
أما بالنسبة الى التوزيع الجغرافي للنمو، فكشفت المنظمة عن استمرار أوروبا في التأثير بصورة كبيرة على التجارة العالمية للسلع في العام 2024، حيث شكلت ضغطاً واضحاً على الأداء العام للواردات والصادرات. وتُعتبر المواد الكيميائية والمركبات من بين القطاعات الرئيسية التي ساهمت في الأداء السلبي للصادرات الأوروبية. كما يُثير الانكماش في قطاع السيارات مخاوف إضافية نظراً الى التداعيات المحتملة عبر سلاسل القيمة.
كما تراجعت الواردات الأوروبية من الآلات بصورة كبيرة، لا سيما من الصين. وانعكس هذا الانخفاض، الذي تجاوز التوترات الجيوسياسية، على التجارة مع اقتصادات متقدمة مثل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان. في المقابل، شهدت الهند وفيتنام نمواً في صادراتهما إلى أوروبا، ما يبرز دور هاتين الدولتين كاقتصادات ناشئة تساهم بصورة فاعلة في تعزيز الروابط التجارية العالمية. من جهتها، انتعشت الصادرات الآسيوية بصورة ملحوظة، بدعم من قوة اقتصادات التصنيع الكبرى مثل الصين وسنغافورة وجمهورية كوريا. ومع ذلك، بقيت اليابان في حالة ركود، بحيث استقرت صادراتها في العام 2024 بعد انكماشها في العام الماضي.
وعلى الرغم من نمو الواردات الصينية بوتيرة معتدلة، فإن الصورة تختلف في باقي آسيا. فقد تشهد دول مثل سنغافورة وماليزيا والهند وفيتنام نمواً قوياً في وارداتها. وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تؤكد هذه التباينات الدور الحاسم لهذه الاقتصادات في ربط سلاسل التوريد العالمية. وفي العام 2024، تشهد اقتصادات أميركا اللاتينية انتعاشاً ملحوظاً بفضل الزيادة المتنامية في التجارة الخارجية. وتسجل المكسيك نمواً قوياً في وارداتها، متفوقة بذلك على باقي دول المنطقة، ما يعزز من مكانتها كمركز تجاري إقليمي رئيسي، على الرغم من استمرار هيمنة الولايات المتحدة على التجارة في أميركا الشمالية.
أما في إفريقيا، فيتماشى نمو الصادرات مع التوجهات العالمية، على الرغم من التعديلات التي طرأت على التوقعات نتيجة مراجعة شاملة للبيانات وضعف الواردات الأوروبية، الشريك التجاري الرئيسي للقارة. بينما تراجعت التوقعات لواردات رابطة الدول المستقلة في نيسان، من المتوقع أن يتحقق نمو طفيف مدفوعاً بنمو أقوى من المتوقع في الناتج المحلي الإجمالي. كما شهدت بيانات الشرق الأوسط تغييرات جوهرية، ما يوضح الفجوة بين التوقعات السابقة والحالية.
تحديات ومخاطر
على الرغم من دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، تواجه التجارة العالمية تحديات متزايدة تهدد استدامتها، وهذا ما أكده التقرير الذي حذر من المخاطر الجسيمة التي قد تعرقل مسار التجارة العالمي وتهدد توقعاتها. وتتجلى هذه المخاطر في التوترات الاقليمية، والانقسامات الحادة في السياسات النقدية التي قد تؤدي إلى اضطرابات مالية، بالاضافة إلى تفكك سلاسل الإمداد المتعلقة بأسباب جيوسياسية. ومع ذلك، قد يشهد النمو التجاري انتعاشاً محدوداً في ظل تخفيضات أسعار الفائدة، شريطة عدم تفاقم التضخم.
ويمكن أن يؤدي تصعيد الصراع في الشرق الأوسط إلى عواقب سلبية على تدفقات التجارة العالمية والاقليمية، خصوصاً بالنسبة الى الدول المشاركة بصورة مباشرة وستمتد آثار هذا التصعيد لتشمل مناطق أخرى، بما في ذلك الاضطرابات المتزايدة في عمليات الشحن وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة لزيادة أقساط المخاطر. وعلى الرغم من أن تأثير أزمة البحر الأحمر قد تم احتواؤه حتى الآن، يبقى هناك احتمال كبير بأن تتأثر طرق تجارية أخرى نتيجة لصراع أوسع نطاقاً، ما يستدعي اتخاذ تدابير وقائية لضمان استقرار حركة التجارة.
ويُعد تقييم خطر انقطاع إمدادات الطاقة أمراً بالغ الأهمية، بالنظر إلى الدور المحوري للمنطقة في إنتاج النفط. ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعاقة النمو الاقتصادي في الدول المستوردة ويثقل كاهل التجارة بصورة غير مباشرة. علاوة على ذلك، فإن التباين في السياسات النقدية بين الاقتصادات الكبرى قد يؤدي إلى تقلبات مالية حادة، ما يزيد من صعوبة خدمة الديون على العديد من الاقتصادات، وخصوصاً الأكثر فقراً.
وبحسب التقرير، يواجه صنّاع القرار خطراً مترابطاً آخر، يتمثل في اتخاذ قرارات مترددة للغاية قد تؤدي إلى ركود اقتصادي، أو اتخاذ قرارات متسرعة قد تعرضهم لخطر عودة التضخم. وقد رصدت منظمة التجارة العالمية تزايداً في مؤشرات تفتت التجارة العالمية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث تتم إعادة توجيه التجارة استجابة للانقسامات الجيوسياسية. وقد أظهرت البيانات أن التجارة بين الكتل الاقتصادية المتشابهة سياسياً قد تباطأت بنسبة 4% مقارنة بالتجارة الداخلية منذ بداية الحرب الأوكرانية. وقد طال هذا التباطؤ خصوصاً السلع البسيطة التي يسهل العثور على بدائل لمورديها.


