ترتكب اسرائيل في هجماتها المجازر متذرعة بضرب “حزب الله”، وقد سوّت بالأرض مناطق في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت لتحقيق “أهدافها”، وعلى الرغم من أن ذلك بحد ذاته يعد من جرائم الحرب، كان بارزاً أكثر استهداف العاصمة بيروت، وآخرها منطقتا البسطة والنويري، التي قالت اسرائيل إن الهجوم هدفه اغتيال المسؤول في “حزب الله” وفيق صفا. وكذلك برزت المجزرة التي ارتكبتها في بلدة أيطو – قضاء زغرتا ودار الحديث عن استهداف مسؤول في الحزب يدعى أحمد فقيه، ولكن هل ان اسرائيل فعلاً لا يمكنها استهداف هذه الشخصيات إلا بارتكاب المجازر؟ وماذا يقول القانون الدولي عن مثل هذه الاستهدافات؟
أمنياً، تُجمع غالبية المحللين على أن اسرائيل بمجرد أن تحدد مكان شخص يمكنها استهدافه، وكون وفيق صفا كان يتنقل بالسيارة وفق ما أعلنت اسرائيل (بغض النظر إن كان ذلك صحيحاً فيما نفى الحزب وجوده في المكان) كان يمكن للمسيرات الاسرائيلية انتظار مروره على الطريق العام بعيداً عن هذا التجمع السكاني الكبير واستهدافه، وقد نفذت اسرائيل عمليات اغتيال دقيقة قبل اشتعال الحرب، استهدفت آليات مسؤولين في الحزب على الطرق، وحتى أنها نفذت عملية اغتيال دقيقة في عمق الضاحية الجنوبية مستهدفة شقة كان موجوداً فيها نائب حركة “حماس” صالح العاروري، ولم تحتج إلى تدمير مجمع سكني بأكمله كي تقتله، وبالتالي ذريعتها أن الضربة في بيروت كان هدفها اغتيال صفا كاذبة.
وبالنسبة الى المجزرة في بلدة أيطو، فقد أشار مالك المنزل المستهدف وشهود آخرون من مناطق في الشمال، الى أن أحمد فقيه (المسؤول) كان يقوم بجولة على المناطق في الشمال، وزار النازحين ليوزع عليهم مساعدات مالية، وقبل وصوله إلى أيطو كان في منطقة البترون، وبامكان اسرائيل استهدافه على الطريق العام قبل وصوله أو عند خروجه من المنزل، وأصلاً لا هو ولا صفا لديهما صفة عسكرية، وعملهما في الشق المدني أو السياسي للحزب ولا يعدان صيداً عسكرياً لاسرائيل.
وبالتالي الهدف من هذه المجازر ليس المستهدفين، فاسرائيل تتذرع باستهدافهم من أجل تحقيق هدفين، الأول بث الرعب، بأن لا مكان آمناً في لبنان للنازحين الذين تعتبرهم البيئة الحاضنة للحزب، والثاني زرع الفتنة والشقاق بين النازحين والأهالي في مناطق استقبالهم، ويترافق ذلك مع رسائل نصية مشبوهة تصل إلى اللبنانيين لاثارة الخوف والذعر.
وبينما قال الناطق باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان جيريمي لورنس إن الأمم المتحدة تطالب بتحقيق “مستقل ومعمق” حول الغارة الاسرائيلية التي سقط خلالها 22 شهيداً في بلدة أيطو- قضاء زغرتا، ماذا يقول القانون الدولي عن الاستهدافات الاسرائيلية المشابهة؟
الباحث في القانون الدولي د. علي حمود يشدد في حديث لموقع “لبنان الكبير” على عدم جواز استهداف المدنيين عمداً، بموجب قوانين الحرب، فقصف المناطق المدنية والسكنية “محظور” وفق “مبدأ التمييز” والذي يعد من المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني وهو يميز بين الأهداف المشروع استهدافها وغير المسموح استهدافها. ويعني هذا المبدأ أنه “يتعين على أطراف النزاع التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، أي المدنيين، حتى لا يتضرر هؤلاء الذين لا ذنب لهم”.
ويؤكد حمود أن استهداف المدنيين أصبح جريمة حرب في العام 1977، حين تم اعتماد البروتوكول الأول كتعديل لاتفاقيات جنيف، يحظر الهجوم المتعمد أو العشوائي على المدنيين والأهداف المدنية، حتى لو كانت المنطقة تحتوي على أهداف عسكرية، ويجب على القوة المهاجمة اتخاذ الاحتياطات والخطوات اللازمة لتجنيب أرواح المدنيين والأهداف المدنية.
يذكر أن اتفاقية جنيف هي مجموعة من أربع اتفاقيات دولية وقعت الأولى منها في 1864 وآخرها في 1949 تتناول حماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب، أي طريقة الاعتناء بالجرحى والمرضى وأسرى الحرب، حماية المدنيين الموجودين في ساحة المعركة أو في منطقة محتلة إلى آخره.
ووفق القانون الدولي يجب أن تقتصر العمليات العسكرية على الأهداف العسكرية، بما في ذلك المقاتلون. ويجب حماية غير المقاتلين والأهداف المدنية من الهجوم، أي أنهم ليسوا أهدافاً مشروعة للهجوم .وعند الشك في وضع الشخص مدنياً أو عسكرياً يجب اعتباره مدنيًاً (البروتوكول 1، المادة 50).
ويلفت حمود إلى أن الهجمات التي شنتها إسرائيل لم تدمر منصات إطلاق الصواريخ أو المقرات والمكاتب التابعة لـ”حزب الله” فحسب، بل دمرت أيضاً الأهداف المدنية في الجنوب والضاحية والبقاع وأبنية مدنية في كل لبنان وإلى جانب انتهاك اتفاقيات جنيف، انتهكت إسرائيل على نحو واضح حقوق الانسان الدولية، مشدداً على وجوب حماية المدنيين في كل وقت وخصوصاً أيام الحرب وفقاً لاتفاقية جنيف عام 1949، كما أن أهم مبدأ في القانون الانساني الدولي، هو حماية المدنيين بالاضافة الى تحديد وتمييز وسائل القتال، المسموح بها وفقاً لقانون الحرب.


