يجري الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد” منذ العام 2006 عندما ورد المصطلح على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال حرب اسرائيل على لبنان في تموز العام نفسه، عندما علقت عليها قائلة: “إن حرب لبنان هي آلام الولادة القاسية للشرق الأوسط الجديد”.
ويعود المصطلح إلى رئيس وزراء اسرائيل الأسبق شمعون بيريز(1984-1986 و1995-1996) الذي دعا في مشروعه إلى اختراق العالم العربي، من خلال النشاط الاقتصادي بالتوازي مع الدعم الأميركي السياسي والاقتصادي للمنطقة العربية.
كما ظهر مفهوم “الشرق الأوسط الكبير” في التقرير الاستراتيجي السنوي لعام 1995، الصادر من معهد الدراسات الاستراتيجية القومية التابع لوزارة الدفاع الأميركية، حيث خصص فصل منفرد لـ”الشرق الأوسط الكبير” من المغرب حتى الحدود الصينية ليشمل المغرب العربي وآسيا الوسطى والجنوبية.
وفي العام 1999، حدث تطور عسكري مهم مرتبط بالشرق الأوسط، تمثل في نقل وزارة الدفاع الأميركية أمر القيادة العليا للقوات الأميركية في آسيا الوسطى من قائد القوات الأميركية في المحيط الهادي إلى القيادة المركزية للشرق الأوسط التي كانت تعرف بـ “قوات الانتشار السريع” (سينتكوم اليوم). وأعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عام 2002 مبادرته “الشرق الأوسط الكبير”، وقدمته الادارة الأميركية إلى مجموعة الدول الصناعية الثماني، وتحول لاحقاً إلى اسم “الشرق الأوسط الموسع” بعد ضم شمال إفريقيا إلى الخطة، وعملت على بلورة موقف موحد منه في اجتماع عقد خصيصاً في الولايات المتحدة عام 2004، ويشمل المشروع مختلف نواحي حياة شعوب منطقة الشرق الأوسط الجديد، بدءاً من برامج التعليم في المدارس الابتدائية إلى تحرير المرأة فإلى إعادة صياغة اقتصادياتها وتنمية المصالح المشتركة في ما بينها، وصولاً إلى التدريب على الديموقراطية واستخدام الحاسوب، وتشجيع المطالعة وإعادة النظر في البرامج التلفزيونية. وتناول ذلك الاجتماع ما عُرف بـ”النواقص الثلاثة” الواردة في تقريري التنمية البشرية العربية الصادرين عن الأمم المتحدة عن عامي 2002 و2003، ويمكن اختصار هذه “النواقص” بثلاثة مصطلحات أساسية: نقص الحرية، نقص المعارف، عدم تمكين المرأة.
واعتبر التقرير هذه “النواقص” تهديداً لمصالح الدول الصناعية الثماني، بحيث رأى أن تزايد أعداد المحرومين من الحقوق السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط يزيد من معدلات التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير الشرعية.
وقال بوش حينذاك: “لقد تبنت الولايات المتحدة سياسة جديدة، وهي استراتيجية متقدمة للحرية في الشرق الأوسط، وهذه الاستراتيجية ستتطلب المثابرة والجهد والمثالية نفسها التي أظهرناها من قبل في نشر الديموقراطية، وسوف تأتي بالثمار نفسها”.
ولكن كوندوليزا رايس لم تقل في حرب تموز 2006 “الشرق الأوسط الكبير”، ولا “الشرق الأوسط الموسع”، بل استعملت مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” أي المصطلح الذي استعمله شمعون بيريز وأصدر كتاباً بالعنوان نفسه، وكان لهذا دلالة كبيرة في حينه، بحيث كان ملف إيران النووي في بداياته، وكانت اسرائيل تسعى بكل قوتها الى وقف البرنامج النووي الايراني كلياً، بل ربما كانت أميركا تنتظر انتصاراً اسرائيلياً ساحقاً على “حزب الله” كي تفرض شروطاً قاسية على إيران، إلا أن ذلك لم يتحقق، فلم تنجح اسرائيل في هزيمة الحزب، بل اعتبر القرار 1701، بغض النظر عن ورود بنود المناطق الآمنة جنوب الليطاني أو تضمينه للقرار 1559، انتصاراً للحزب، اذ كان واقع تطبيق القرار على الأرض لصالحه، احتفظ بسلاحه وزاد نفوذه أكثر في الدولة اللبنانية، بل زاد من تسليحه وتدريبه.
بعد حرب تموز انشغل الحزب بالداخل، وخاض مغطس 7 أيار (يقول إن الأميركيين تمكنوا من توريطه في الداخل) ولكن على الرغم من اهتزاز صورته لم يخف نفوذه بل زاد في الاتساع.
في هذه الأثناء كان العالم العربي يعيش جمراً تحت الرماد، بحيث اندلعت بعد بضع سنوات ثورات “الربيع العربي”، وما إن وصلت الى سوريا حتى اعتبرت إيران وحلفاؤها أن الثورات هذه جزء من مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، ومدت النظام في سوريا بدعم لامحدود، لمواجهة ما أسمتها “الحرب الكونية على سوريا”، ودخل “حزب الله” فيها، ومع الدعم الروسي بالاضافة إلى الايراني، تمكنت السلطة السورية من البقاء في سدة الحكم، على الرغم من أن الدولة السورية ضعفت بصورة كبيرة عن السابق، ولم تعد لاعباً إقليمياً في المنطقة، وتحاول اليوم استعادة أمجادها بعد عودتها إلى الجامعة العربية.
وعام 2020، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته للسلام في الشرق الأوسط، والتي كان يعمل عليها منذ العام 2017، وأصبحت تعرف باسم “صفقة القرن” وتسعى الى “حل” للقضية الفلسطينية، ويمكن تلخيصها بـ”إقامة دولة فلسطينية من دون جيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعض أحياء القدس الشرقية بحيث تعطي القدس لاسرائيل كعاصمة مع الأماكن المقدسة، وكذلك تقوم مصر بمنح أراضٍ إضافية للفلسطينيين من أجل إنشاء مطار ومصانع وللتبادل التجاري والزراعة من دون السماح للفلسطينيين بالعيش فيها وسيتم الاتفاق على حجم الأراضي وثمنها كما على إنشاء جسر معلق يربط بين غزة والضفة لتسهيل الحركة”. وبعد عام من “الاتفاق” تجرى انتخابات ديموقراطية لحكومة فلسطين وسيكون بإمكان كل مواطن فلسطيني الترشح للانتخابات وستفرض عقوبات على جميع الأطراف الرافضة للصفقة بما في ذلك إسرائيل.
الخطة رفضت فلسطينياً وعربياً بصورة قاطعة وكذلك من إيران أيضاً، واعتبرها “المحور الإيراني” جزءاً من مشروع “الشرق الأوسط الكبير”.
وما كادت إيران تضع نصب عينيها إعلان النصر في “الحرب الكونية على سوريا” بعد بدء عودة علاقات دمشق مع محيطها العربي، والتحضير لعودتها إلى الجامعة العربية، حتى نفذت حليفتها حركة “حماس” عملية “طوفان الأقصى”، بهجوم غير مسبوق على اسرائيل، استغله رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لشن حرب قاسية على قطاع غزة، واضعاً أهداف الحرب بإعادة الرهائن وتدمير حركة “حماس”، بينما كان يشن هجمات على لبنان ضد “حزب الله” الذي فتح حرب “إسناد” لغزة.
وفي حين كانت الهجمات المتبادلة محصورة بغالبيتها في جنوب لبنان، مع بضعة خروق نحو البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، خلال نحو سنة من الحرب، اغتيل فيها بعض قيادات الحزب، صعّدت اسرائيل فجأة الحرب، فاغتالت بضربة في الضاحية رئيس أركان “حزب الله” فؤاد شكر، ثم رئيس حركة “حماس” اسماعيل هنية في طهران، وبعد أقل من أسبوع نفذت اسرائيل أقوى ضربة استخباراتية في العصر الحديث عبر تفجير أجهزة “البايجر” واللاسلكي التي يحملها عناصر الحزب بعملية معقدة يخطط لها منذ سنوات، وبدأت بعدها موجة ثانية من الاغتيالات المتسارعة وصلت في نهاية الأمر إلى اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله مع معظم قيادات الحزب، وأصبحت الضاحية الجنوبية عرضة لموجات من الغارات كما الجنوب والبقاع، ليخرج نتنياهو بخطاب جديد يقول فيه انه سيغيّر وجه المنطقة. ولا تزال الحرب مستمرة على الرغم من الانجازات الاسرائيلية الكبيرة، وسط تخوف من توسعها في الشرق الأوسط لتصبح مباشرة بين اسرائيل وإيران وقد تجر إليها الولايات المتحدة، لا سيما بعد “رد” إيران على الاغتيالات الاسرائيلية في طهران وبيروت، بهجوم غير مسبوق على تل أبيب.
“الشرق الأوسط الجديد” ليس مشروعاً بخطة واحدة، بل هو مفهوم عام يمكن تنفيذه بطرق عدة، منها الضغط عبر العقوبات الاقتصادية، أو خلق النزاعات داخل الدولة لإخضاعها، أو الحرب المباشرة، وقد لا يكون نتنياهو بدأ الحرب على غزة بفكرة تنفيذ الخطة الأميركية القديمة، ولكن بعد الانجازات الميدانية التي حققها ضد “حزب الله” في لبنان، قد يكون طرح الأمر مجدداً مع الادارة الأميركية التي يرأسها جو بايدن اليوم، وقد يفسر هذا الأمر البرودة الأميركية تجاه وقف إطلاق النار مؤخراً، بينما كانت تسعى بصورة حثيثة الى العمل على تحقيقه سابقاً.
أما نجاح المشروع من عدمه، فسيكون على عاتق “حزب الله”، على الأقل في المرحلة الحالية، حيث لا تبدي إيران رغبة في خوض حرب مع اسرائيل، وأميركا غير متحمسة لجرها إلى حرب مع إيران مع وجود جبهات أخرى توجب اهتمامها كتايوان وأوكرانيا، وبالتالي الأمر متروك لقدرة اسرائيل على إضعاف الحزب كي تستعملها ورقة للضغط على إيران لتقديم تنازلات، بينما
يرى البعض أن كسر شوكة الحزب يعني أن دور إيران قادم قريباً، لتكون ساحتها ختام تنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.
وحتى الآن وعلى الرغم من موافقة غالبية دولها على المشروع، تعارض أوروبا حرباً في الشرق الأوسط، ويضغط العديد من دول القارة العجوز لوقف الحرب، من دون التمكن من فتح ثغرة للعمل على ذلك، كون كلمة السر في هذا الشأن هي لواشنطن، ويتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من التصعيد في لبنان، الذي قد يشكل مفتاحاً لتنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وبالتأكيد الحكم سيكون للميدان.


