تعرض “حزب الله” لانتكاسات هائلة على صعيد اغتيال قيادييه من الأمين العام السيد حسن نصر الله، إلى خليفته المحتمل السيد هاشم صفي الدين، ومعظم المجلس الجهادي في الحزب، كفؤاد شكر وابراهيم عقيل وغيرهما. وعلى الرغم من أن الحزب خاض حروباً سابقة مع اسرائيل، إلا أنه لم يتعرض لضربات قاسية كهذه من قبل، وتتعدد الروايات عن سبب هذا الفشل الاستخباراتي، من العنصر البشري في العمالة، إلى الانكشاف في الحرب السورية، إلى التخلف التكنولوجي عن اسرائيل التي تتعاون مع معظم الدول المتقدمة تكنولوجياً في العالم، فيما يرى البعض أن الحرب بوجود عماد مغنية ومصطفى بدر الدين مختلفة عن غيابهما، كونهما كانا العقل الأمني في “حزب الله”.
أما في العمليات البرية، فتقول أوساط مطلعة على جو الميدان لموقع “لبنان الكبير” انها وصلت إلى أطراف الخط الثاني من القرى الحدودية، لا سيما في بلدة الطيبة في القطاع الشرقي، الواقعة وراء بلدة العديسة، وينتهج الجيش الاسرائيلي “عمليات الكر والفر” بحيث لم يثبت في أي نقطة في المنطقة الحدودية، بل يدمر المنازل والمنشآت في المناطق التي يدخل إليها.
وتتوقع هذه الأوساط أن يسعى الجيش إلى جعل منطقة بنحو 3 كيلومترات في الداخل اللبناني أرضاً محروقة، وهو يتعلم من اخفاقات حرب تموز 2006، حين دخل إلى عمق نحو 12 كيلومتراً بسرعة، ما أوقع عناصره في كمائن الحزب التي كانت تصطاده من كل الجهات، أما اليوم، فهو لا يبدو مستعجلاً للتقدم براً، بل يسعى الى تدمير المناطق الواحدة تلو الأخرى وبعدها يتقدم ببطء، ولا يبدو أنه يمانع أن يدمرها متراً متراً، ولا يخاطر بإخفاق كالذي حصل في حرب تموز.
لا تنفي مصادر مطلعة على جو “حزب الله” الاستراتيجية التي ينتهجها الجيش الاسرائيلي، وتعترف بما يحصل في القرى الحدودية، ولكنها في الوقت نفسه تؤكد أن هذا لا يعني حتمية الهزيمة، لافتة إلى أن الحرب اليوم هي حرب “استنزاف القدرات الاسرائيلية، والضغط على الجبهة الداخلية عبر تكبيد الجيش قدر الإمكان الخسارات، وزيادة الحساب على فاتورة الحرب لدفعه إلى التراجع، ويجري ذلك بالتزامن مع شن هجمات على العمق الاسرائيلي، بعضها نوعي”.
أما عن الاغتيالات والدمار، وتأثيرهما على الحزب، فلا تنفي المصادر أن الحزب اهتز بها، ولكن هيكلية تنظيمه تمكنه من التعافي في وقت قصير.
وتوضح المصادر أن الحزب بدأ يستعيد “انتظام القيادة والسيطرة، وأكبر دليل على ذلك هو نوع الضربات التي يشنها في الفترة الأخيرة، فقد كانت القيادة في تل أبيب تتوقع شتاء من الصواريخ بعد الاغتيالات إلا أن هذا لم يحصل، بل على العكس، لقد كانت الضربات دقيقة لا عشوائية وتركز على استهداف المنشآت العسكرية، وما يحصل من إصابات للمواقع المدنية هو بفعل الصواريخ الاعتراضية الاسرائيلية لصواريخ الحزب، الذي أرسل رسائل ميدانية عدة عن إمكان استهدافه المجمعات المدنية أيضاً بضربات دقيقة، وكذلك أظهر قدرته على القيام بحزام ناري عبر وابل من الصواريخ على منطقة محددة، إلا أنه اكتفى بالرسائل الصاروخية وليس الفعل كما اسرائيل، التي تشن هجمات لا تفرق بين حجر وبشر”.
وترى المصادر أن هذا يعني “تلقي عناصر الحزب أوامر من قيادة عليا، تخطط وتجري الحسابات وتعمل وفق استراتيجية متكاملة”،
معتبرة أن هناك سببين رئيسيين يمنعان الحزب من القصف العشوائي مثل اسرائيل، “أولاً يتبنى الحزب عقيدة أخلاقية مبنية على فتوى دينية تمنع قتل العزل والنساء والأطفال، وهذا أمر تطرق إليه السيد نصر الله في حرب تموز 2006. ثانياً لا يمتلك الحزب أميركا كظهر له تبرر القتل والتدمير وارتكاب المجازر، وتفرض على العالم ابتلاعها، وفي الوقت نفسه هو يريد إضعاف اسرائيل في المحافل الدولية لا سيما الأوروبية منها، التي يدين العديد منها الجرائم الاسرائيلية، ويطالبها بوقف الحرب فوراً، وكانت مواقف فرنسا متقدمة في هذا الشأن”.
أما عن قوى الحزب وماذا بقي منها بعد الغارات الاسرائيلية المدمرة، فتؤكد المصادر أن “اسرائيل دمرت العديد من مخازن الأسلحة للحزب، ولكنه لا يزال يمتلك غيرها الكثير، ولنفترض أن كلام اسرائيل صحيح وأنها تمكنت من القضاء على 60- 70% من قدرات حزب الله الصاروخية، الا أن الـ 30 إلى 40% الباقية هي قدرته في حرب تموز، وهذا وفق تقارير الاستخبارات الأميركية والاسرائيلية ومراكز الأبحاث، وقد تمكن الحزب حينها من إيلام اسرائيل، بل وتحقيق انتصار عليها، وبالتالي لا يزال يملك القوة الكافية لخوض المعركة”.
في اَخر عملية نوعية للحزب، استهدف بصورة دقيقة عبر مسيرة قاعدة عسكرية في نتانيا، وأوقع وفق الاعتراف الاسرائيلي 4 قتلى وأكثر من 60 جريحاً، وبالتالي يمتلك قدرة على استهدافات دقيقة. ولدى سؤال المصادر عن سبب عدم إقدام الحزب على استهداف أماكن استراتيجية كمنصات الغاز مثلاً، أجابت: “الحزب يصعد تدريجياً، منذ فترة أعلن عن مرحلة ثانية، ولاحقاً قد يعلن عن ثالثة ورابعة وخامسة، والأمر يعود وفق تقدير قيادة الحزب الى مجريات المعركة، وإلى الاَن اسرائيل لم تتقدم أبعد من القرى الحدودية، وهذا يعني أن البر ليس لصالحها على الرغم من عمليات الاغتيال الكبيرة، ولكنها في المقابل تعوض عن ذلك بالهجمات الجوية، وعندما يرى الحزب الوقت المناسب، سينفذ عمليات نوعية لمحاولة إعادة فرض الردع، وما استهداف منزل (بنيامين) نتنياهو إلا إعلاناً عن قدرته الاستخباراتية، والحرب معارك عدة تتقدم أحياناً وتتراجع أحياناً أخرى، المهم هو الرؤية الاستراتيجية الكبرى للحرب، وكيفية خوضها”.
ولكن على الرغم من تفاؤل الحزب ومن خلفه إيران هناك في لبنان رأي متشائم، يعتبر أن البلد خاسر إن استطاع الحزب الصمود ومنع فرض الشروط عليه، أما إن لم يستطع، فيعتبر أصحاب هذا الرأي أن البلد بالسيناريوين سيدمر، ولن يخرج من المعاناة الاقتصادية لعشرات السنين.


