لبنان وحيداً… ايران تريد “الحزب” والعرب يريدون فلسطين !

أنطوني جعجع

ثمة من يقول ان لا وقف لاطلاق النار على الجبهة اللبنانية قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية الثلاثاء المقبل، وثمة من يقول ان لا وقف لاطلاق النار قبل التوصل الى تفاهم أميركي- ايراني تتداخل فيه إسرائيل في العمق، وثمة من يقول ان الحرب في الجنوب لن تنتهي الا بغالب ومغلوب ولو استغرقت أشهراً وسنوات.

وقد يبدو في بعض هذه الاحتمالات والتسريبات ما يمكن أن يكون صحيحاً الى حد ما، لكن الصحيح الوحيد، في قراءات معظم المحللين وصانعي القرار في العالم أن “حزب الله” لن يتمكن من الاحتفاظ بالقرار ١٧٠١ من دون تعديلات جوهرية، وأن لا شيء في الجنوب سينتهي كما انتهت اليه الحال في حرب تموز قبل ١٨ عاماً سواء عبر التفاوض أو عبر القتال.

فما جرى في “الثامن من أكتوبر” أثبت لكل من أنتج القرار ١٧٠١ أن الهدنة التي طلبها “حزب الله” عبر الرئيس فؤاد السنيورة بعد وصول القوات الاسرائيلية الى مرجعيون، لم تكن الا فرصة لالتقاط الأنفاس والحؤول دون تجربة مماثلة لتجربة العام ١٩٨٢، وأن “حزب الله” تعامل مع الجيش الذي تولى مع قوات “اليونيفيل” الاشراف على تطبيقه، على أنهما مجرد أداة غير فاعلة وغير حازمة، في حين تعاملت معه اسرائيل على أنه درع يتلطى خلفه أعتى حلفاء ايران لبناء جبهة حدودية قادرة على تهديد أمن البلاد في العمق، وعلى تغيير معادلات أو تصحيح توازنات.

وما جرى في “الثامن من أكتوبر” أيضاً، أكد لجميع الأطراف المعنية بالملف اللبناني أن المطلوب هذه المرة ليس عملية ترقيع روتينية، ولا نصب مدافع خامدة، ولا نشر مقاتلين مجردين من السلاح، ولا حتى الاعتماد على جيش محلي أو دولي يفصل بين الفريقين، بل المطلوب في الحسابات الاسرائيلية، سحب الجبهة اللبنانية من الميدان نهائياً، والتعامل مع لبنان وكأنه بلد من دون رأس أو عدو لا أنياب له ولا مخالب، وفرض هدنة تضمنها اسرائيل بالنار، في انتظار أن يصبح مستعداً للدخول شريكاً في موجة التطبيع العربي –الاسرائيلي.

والواقع أن ما يطالب به رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحول الى مطلب أميركي- أوروبي- عربي، وشكل مادة أساسية في كل اتفاق لوقف اطلاق النار، وفي كل قرار دولي قديم أو جديد يتعلق بالجسم العسكري لمحور الممانعة في لبنان أو بالعقيدة الجهادية التي يعتنقها “حزب الله”.

ويكشف مصدر ديبلوماسي غربي تعليقاً على التسريبات الأخيرة التي تحدثت عن هدنة وشيكة في الجنوب، أن أي اتفاق لا يحمل في طياته ما يشبه “التطبيع المقنع” لن يصمد طويلاً، مؤكداً أن العالم هذه المرة يحرص على أن تكون الحرب الحالية آخر الحروب أو على الأقل أولى الخطوات نحو سلام دائم وشامل بين العرب والدولة العبرية.

ويتابع: أن أي حل وسطي بين “حزب الله” وتل أبيب، لن يكون الا جمراً تحت الرماد أو على الأقل استراحة تنشدها ايران الجريحة للحفاظ على ما تبقى من أكثر أذرعها الشيعية شجاعة وتدريباً وتسلحاً والتزاماً، مشيراً الى أن الجمهورية الاسلامية الايرانية لن تكون، في حال سقط “حزب الله”، تلك الدولة القادرة على التأثير في كثير من الملفات أو على الضرب حيث تشاء وأينما تشاء.

وانطلاقاً من هذا الواقع، يحاول نتنياهو انهاء الحرب بطريقة لا تسمح لايران بالعودة الى الخيارات العسكرية على حدودها، سواء من لبنان أو غزة أو الجولان أو تسمح لها بانتاج سلاح نووي بأي شكل من الأشكال، مراهناً هذه المرة على بيئة دولية “متفهمة” لا بل متسامحة حيال الوحشية التي يبديها في حربي فلسطين ولبنان، وحيال التحديات المتبادلة بين تل أبيب وطهران التي باتت بعد الغارات الاسرائيلية الأخيرة مكشوفة الأجواء ومجردة من دفاعات جوية فاعلة عن محطاتها النووية والنفطية.

وليس من قبيل المصادفة أن يعلن نتنياهو، في عز الكلام على احتمال وقف اطلاق النار مع لبنان، أن بلاده لن تسمح لايران باقتناء سلاح نووي، وكأنه أراد أن يذكر الايرانيين بقدرته على ضرب المنشآت النووية، اذا لم تضعط طهران لسحب “حزب الله” الى شمال الليطاني وحل جناحه العسكري، اضافة الى اطلاق الرهائن الاسرائيليين في غزة.

وهنا لا بد من السؤال، ما دخل الانتخابات الرئاسية الأميركية بمشاريع وقف اطلاق النار في المنطقة؟ والجواب قد لا يحتاج الى كثير من التمحيص، ما دمنا نعرف أن أي رئيس يدخل البيت الأبيض، سواء كان دونالد ترامب أو كامالا هاريس سيوقع على أي نص أو شرط تقترحه اسرائيل لوقف الحرب.

ولا بد هنا من سؤال آخر، هل ينجح نتنياهو في جر الأميركيين الى ضمان أي هدنة تفرض على الحدود من لبنان، وفي اعادة القوات المتعددة الجنسيات التي انسحبت من بيروت في العام ١٩٨٤، ومعها قوات “ردع” عربية، ونشرها هذه المرة على الحدود مع اسرائيل؟

لا شيء واضحاً حتى الآن، باستثناء ثلاثة أمور أساسية، الأول أن لا دور للمعارضة اللبنانية في فرض أي واقع سياسي يعتد به أو الافادة من الاحتضان الدولي للملف اللبناني، وفي مقدم ذلك الاعتصام مثلاً في مجلس النواب وعدم الخروج منه قبل انتخاب رئيس للبلاد. والثاني أن لا دور للعرب في البحث عن حل يسحب لبنان من قبضة ايران و”حزب الله” اذا أرادوا فعلاً انجاح مبادرة الدولتين التي انطلقت من الرياض أخيراً. والثالث أن الحكومة تعمل في المكان الذي يقرره سواها، أي ايران وأميركا، وتهمل ما تستطيع أن تفعله ألا وهو نشر الجيش في الداخل لاخماد ما يمكن أن يكون بوادر حرب أهلية.

في اختصار، الحرب مستمرة بقرار من ايران عبر “حزب الله” الذي يخوض حرباً لا يملك الا الصمود فيها محاولاً أن يقدم شرط وقف القتال على أي شرط آخر، ومن نتنياهو الذي يخوض حرباً لا يستطيع الانسحاب منها، ما يعني عملياً أن وقف اطلاق النار قد لا يتم الا بمغلوب قد يكون أسيراً أي “حزب الله” وغالب، قد يكون جريحاً هو بنيامين نتنياهو.

ولعل هذا الهاجس هو ما دفع ايران الى التلويح برد حازم ضد اسرائيل في محاولة للادلاء بصوتها في صندوق الاقتراع الأميركي ووضع الرئيس المقبل أمام واحد من أمرين: اما حروب في لبنان لا تهدأ الا بقرار منها، واما سلام لا يتحقق من دونها.

شارك المقال