لا شك في أن الرهانات الايجابية على عهد الرئيس المنتخب دونالد ترامب قد تجاوزت حدود المنطق، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا وآسيا، خصوصاً أن الملفات التي وضعت بين يديه ليست من الملفات التي يسهل تفكيكها واقفالها بين ليلة وضحاها أو بالضغط على واحد من أزرار البيت الأبيض.
وبعيداً من ملفي أوكرانيا وتايوان على أهميتهما، يجد الرئيس الأميركي المقبل نفسه في الشرق الأوسط عالقاً بين أمرين، الأول يكمن في الحرص على خروج اسرائيل من حربي غزة ولبنان منتصرة، ويكمن الثاني في الحرص على منع ايران من الخروج منهما منتشية، وهما أمران ليسا بالسهولة التي يراهن عليها اللبنانيون والعرب والمسلمون الذين اصطفوا خلف المرشح الجمهوري وساهموا في تمكينه من تحطيم الاستراتيجيات التي اتبعها الديموقراطيون في الشرق الأوسط على مدى اثني عشر عاماً.
ولا يحتاج الأمر الى كثير من التمحيص في هذا المجال، في وقت تثبت الوقائع والشواهد، أن ثمة قراراً في البيت الأبيض يمنع أي رئيس ديموقراطي أو جمهوري من تجاهل أمن الدولة العبرية وموقعها العسكري المتفوق في المنطقة حتى لو أقحمت من أجلها الجيش الأميركي في حرب اقليمية واسعة، أو من انتهاج سياسات أو اتخاذ قرارات لا تكون اسرائيل فيها الجهة التي تسهم في صنعها أو الجهة التي توقع عليها مسبقاً، سواء تعلق ذلك بشؤون الحرب أو السلام أو أي نوع من التسويات والصفقات.
وليس من قبيل المصادفة أن يجهد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لشراء الوقت بأي ثمن وأي وسيلة على مدى عام كامل ضارباً عرض الحائط بكل الجهود التي بذلها الرئيس جو بايدن لاقفال ملف غزة، مراهناً على أن وضع اسرائيل سيكون أفضل في عهد ترامب، وأن أي حل أو تسوية أو انتصار يجب أن يسجل في سجل الجمهوريين وليس في سجل “الاوبانيزم” (نسبة الى باراك اوباما) التي يحملها الاسرائيليون المسؤولية عن تفاقم الخطر الايراني الى الحد الذي لامس أمن اسرائيل مباشرة.
وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن يعمد نتنياهو الى اقالة وزير دفاعه يوآف غالانت في يوم “الثلاثاء الكبير” في واشنطن، وهو الوزير المحسوب سياسياً على ادارة بايدن، وكأنه أراد بذلك أن يستقبل عهد ترامب بفريق أمني وسياسي محسوب تماماً على اليمين الاسرائيلي بكل رجاله ومقوماته، وقادر على مواصلة الحرب في كل من غزة ولبنان ومناطق الممانعة والسير في أي تسوية تناسبه من دون أي اشكاليات داخلية كتلك التي ظهرت بعد “طوفان الأقصى”.
ويتردد في أوساط نتنياهو أن الأخير يعتزم انهاء عهد بايدن من دون أي وقف لاطلاق النار، وحسم حربه ضد حركة “حماس” في غزة و”حزب الله” في لبنان وربما الانقضاض على المنشآت النووية الايرانية، والوصول الى البيت الأبيض اما بواقع جديد يتبناه ترامب واما بخريطة طريق يوقع عليها.
وقد يقول قائل ان في هذا المنحى الكثير من المبالغة، لكن نظرة متأنية الى واقع الأمور تبين الحقائق الآتية: أولاً أن أي استراحة على أي من الجبهات المشتعلة ستعني منح “حماس” المنهكة و”حزب الله” النازف فرصة لالتقاط الأنفاس والاستعداد لجولة قتال أشد ضراوة اضافة الى الحؤول دون أي تعديلات جوهرية وقاسية يريدها الاسرائيليون في القرار الرقم ١٧٠١، وثانياً أن أي انجاز يحققه الممانعون في غزة أو لبنان سيعزز أوراق ايران على أي طاولة مفاوضات قد يدعو اليها ترامب لا سيما ما يتعلق منها بالملف النووي، اضافة الى أنه قد يحول دون استكمال “مشروع ابراهام” الذي أطلقه الرئيس الأميركي المنتخب خلال ولايته الأولى لتعزيز فرص التطبيع بين العرب واسرائيل.
وأكثر من ذلك، ان أي استراحة لن تكون خبراً طيباً للجيش الاسرائيلي الذي سيجد نفسه في موقع العاجز عن حماية البلاد والعباد في كواليس الاسرائيليين الذين باتوا يشككون بقدرة هذا الجيش على مواجهة المخاطر الخارجية البرية والجوية وحتى الداخلية منها.
ولا تخفي أجواء نتنياهو الانطباع لا بل الاقتناع شبه الراسخ بأن ترامب لا يمكن أن يكون مهادناً مع ايران، أو مع أي من حلفائها، هو الذي دعا خلال حملته الانتخابية الى حسم الأمور ضد “حماس” عسكرياً، وهو الذي يتهم ايران بالسعي الى قتله، وهو الذي يرفض في شكل مطلق انضمام ايران الى النادي النووي العسكري، وهو الذي اغتال الرجل الأول في ايران قاسم سليماني من دون أن يرف له جفن، وفرض على الايرانيين من العقوبات ما لم يفرضه أي رئيس أميركي من قبل، من دون أن نغفل اعترافه بضم الجولان الى إسرائيل ونقل سفارته من تل أبيب الى القدس.
ويقول مصدر في تل أبيب، ان ترامب الذي فاز في الأمس، لا يزال ترامب الذي سكن البيت الأبيض قبل أربع سنوات، وان جل ما تغير أن يتولى السلطة الآن على وقع الحروب التي تخوضها اسرائيل وليس على وقع عمليات التطبيع التي شهدها عهده الأول، معتبراً أن فريق الرئيس الأميركي المنتخب مقتنع بأن ايران هي الجهة التي ضربت “مشروع ابراهام” وأن ما يفعله نتنياهو الآن هو الذي كان يجب أن تفعله ادارة بايدن.
وما ينطبق على أجواء نتنياهو ينطبق أيضاً على أجواء ايران التي تعتبر فوز نتنياهو ضربة معنوية قاسية ومنطلقاً لجولة جديدة من التحديات والضغوط وربما المواجهات، الأمر الذي يفسر خيار التصعيد الذي دعا اليه الشيخ نعيم قاسم معوّلاً على صمود ما أو نصر ما قد يصل الى “العشرين من كانون الثاني” ضيفاً ثقيلاً على حفل تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة.
ولا تستبعد مصادر ديبلوماسية غربية أن تقحم ايران نفسها في مواجهة صاروخية مع اسرائيل سواء من أراضيها أو من احدى مناطق المحور اذا طرأ واحد من أمرين: الأول بوادر انهيار في صفوف “حزب الله” في الجنوب، وهو أمر يشكل بالنسبة اليها بداية لانهيار الثورة الاسلامية نفسها، والثاني بوادر اقتناع بالحاجة الى عمل ما قد يعيد توازن الرعب الى التركيبة الاقليمية ويضع ترامب وادارته في الموقع الوسط بين ندين أو بين متعادلين على الأقل .
وانطلاقاً من هذين الواقعين، لن يكون ترامب بعد ٧٢ يوماً الا واحداً من رجلين، اما ترامب الحاسم واما ترامب الحالم في منطقة لم تشهد أي معجزات منذ زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس في سبعينيات القرن الماضي، فماذا يمكن أن يكون؟
في الانتظار، وحدها المعارضة اللبنانية لا تملك ما تعرضه أمام ترامب باستثناء وشوشات مستشاره اللبناني مسعد بولس، ولا تملك أي أرضية صلبة تمكنها من تلقف أي واقع جديد تنطلق منه لادارة البلاد من منطلق سيادي، وهو ما يقف وراء المخاوف من أن يكون السياديون مرة جديدة أصحاب الفرص الضائعة التي تضعهم دائماً في وضع “النمر” الذي يتفرج من بعيد على فريسة لا يأكل منها الا الفتات.


