العالم يتجاهل المعارضة: لن نحارب عنكم!

أنطوني جعجع
مجلس النواب

أين المعارضة اللبنانية، وتحديداً الجانب المسيحي منها، من كل ما يجري منذ السابع عشر من أيلول، أي منذ تعرض “حزب الله” لأقسى ضرباته على الاطلاق، ومما يجري أيضاً في الكواليس الأميركية – الاسرائيلية بحثاً أو سعياً الى اتفاق يوقف اطلاق النار في الجنوب، ويرسم خريطة لبنان الجديدة في الخارج والداخل معاً؟

“لا مكان للمعارضة في لبنان”، هذا هو الانطباع الذي يسود الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وسط إجماع على وجود “معارضات” لبنانية لا تملك برنامجاً واحداً ولا رؤية واحدة ولا هدفاً واحداً ولا قائداً واحداً، ما يفسر تفرد الثنائي نبيه بري ونجيب ميقاتي بكل تفاصيل المفاوضات التي تجرى بين بيروت واسرائيل عبر الولايات المتحدة، وهي المفاوضات التي لا تأخذ مصالح اللبنانيين الآخرين ومخاوفهم في الحسبان.

وتقر مصادر ديبلوماسية على اطلاع بما جرى ويجري في الكواليس، بأن من يمسك بما تبقى من سلطة شرعية في لبنان، أي بري وميقاتي لا يكترثان لغياب المكون المسيحي عن مسار التسويات المقترحة وذلك بضغط من ايران و”حزب الله”، وأن المكون المسيحي نفسه لم يقم بأي تحرك مباشر لحجز مقعد في هذا المجال مكتفياً بمؤتمر من هنا كما فعل سمير جعجع في معراب، أو بتحرك من هناك كما فعل الرئيس أمين الجميل، أو بعظة في كل مناسبة كما يفعل البطريرك بشارة الراعي، أو بمواقف متقلبة ومتنوعة كما يفعل جبران باسيل.

وتضيف المصادر: ان كل طرف من هذه الأطراف، اما يريد في سره أن يكون هو رئيس الجمهورية المقبل، واما انتخاب رئيس من اختياره، وذلك من دون أي محاولة للتوحد حول حيثية واحدة، يمكن أن تلقى قبولاً من المعارضة السنية التي تبدو في هذه الظروف أقرب الى المعارضة الوطنية منه الى أي مواقف طائفية وأقرب الى الحياد منه الى شعار “أنصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً”.

وتأخذ مصادر ديبلوماسية على “القوات اللبنانية” باعتبارها الركن المسيحي الأقوى في الشارع المسيحي عدم القدرة على استقطاب السنة اللبنانيين وهم في أوج نقمتهم على “الفوقية الشيعية” التي قمعتهم في بيروت وتخلصت من قادتهم جسدياً وسياسياً وأخذت لبنان الى الشيعية السياسية النهمة ومنها الى ايران وولاية الفقيه، وأنكرت عليهم دورهم في الملف الفلسطيني وانتماءهم التاريخي الى العالم العربي .

وأكثر من ذلك، يسود جو في الشارع السني أن المسافة التي قامت بين سمير جعجع وسعد الحريري لم تتقلص أبداً ولم تشهد أي سعي جدي من الطرفين لطي صفحة ما جرى بينهما، وأن المسافة القائمة أصلاً بين جعجع والسنة الآخرين راوحت مكانها، ما جعل أي تفاهم قواتي- سني صعباً أو مستبعداً على الأقل.

ويقول مصدر سني في المجال: ان ثلاثة أطراف ساهمت في تحجيم دورنا في لبنان هي أولاً البندقية الشيعية في “غزوة السابع من أيار”، وثانياً الشرخ الذي وقع بين معراب وبيت الوسط، وثالثاً الحياد السعودي الذي انفصل تماماً عن الشارع السني في لبنان وقاطع أركانه في شكل شبه مطلق.

ويضيف: ان وليد جنبلاط لم يكن أفضل حالاً عندما حاول كعادته أن يتخذ موقعاً يتناسب في كل مرة مع مصالحه السياسية من جهة وأمن طائفته من جهة ثانية، متعاملاً مع المعارضة المسيحية والسنية على القطعة وليس وفق برنامج سياسي موحد وثابت، مشيراً الى أن الزعيم الدرزي أعطى “حزب الله” في حرب الاسناد ما لم يستطع أن يأخذه بالسلاح، أي عندما وقف الى جانب غزة لاعتبارات عروبية ووطنية حسب ما تردد في أوساط الحزب “التقدمي الاشتراكي” الذي يشن منذ مدة حملة سلبية على الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، في محاولة لتهدئة النازحين الشيعة الذين تغلغلوا في الجبل بكامل سلاحهم وعقيدتهم الى جانب نزعة الثأر لما أصابهم في معركة “السابع من أيار”.

وسط هذه الأجواء، لا يبدو ممكناً أن يتمكن المعارضون اللبنانيون من استغلال أو توظيف أي فرصة متاحة لقلب المعادلات لمصلحة الخط السيادي، في وقت يستشف من التسويات المقترحة أن “حزب الله” لن يخرج قتيلاً من معركته مع اسرائيل بل جريح قادر على فرض شروطه في الداخل سواء بالسياسة أو بالسلاح، خصوصاً أن هذه التسويات ما عادت تركز على نزع سلاحه في المطلق بل على نزعه في المنطقة المنزوعة السلاح الممتدة من الحدود حتى الليطاني.

وليس من قبيل المصادفة، أن تظهر الى العلن حملة من “حزب الله” تهدف الى أمرين: الأول ترويع المعارضة بفروعها السياسية والاعلامية والتلويح بانقلاب يضع كل الداخل اللبناني تحت سيطرته، والثاني تطويق الجيش والحد من دوره في أي محاولة تفرضه سيداً على الأرض أو نداً يعتد به أو بديلاً ممكناً أو حتى شريكاً متوازناً.

وقد يقول قائل ان في هذا العرض الكثير من الاستخفاف بمكونات سياسية معارضة مجردة من معظم مقومات القوة سواء كانت دستورية أو مالية أو شعبية أو حتى عسكرية وذلك في مواجهة قوة مدعومة عسكرياً من ايران و”الإخوان المسلمين” وحلفائهم وديبلوماسياً من الصين وروسيا، قائلاً: انهم يطلبون من العزل واحداً من أمرين: اما الدخول مشرذمين في حرب أهلية، واما الرهان على اسرائيل وأميركا وهذا نوع من الخيانة التي لا يقربها أحد.

لكن مصدراً ديبلوماسياً غربياً يرد قائلاً: لم يكن المطلوب حمل السلاح على قلته، ولا الصدام في الشوارع، بل اللجوء الى الدستور، وتحديداً الاعتصام في مجلس النواب تحت حماية الجيش، حيث يختبئ نواب “حزب الله” وحركة “أمل”، والدعوة الى انتخاب رئيس للجمهورية في جلسة تعقد بمن حضر ويرأسها كبير السن في حال تمنع بري ونائبه عن ترؤسها، كاشفاً أن أكثر من خمسين دولة كانت جاهزة للاعتراف بالرئيس المنتخب.

ويختم المصدر: ان وصول ترامب الى السلطة في واشنطن، فرمل كل شيء تقريباً وما كان ممكناً في الأمس لم يعد ممكناً اليوم خصوصاً أن الجميع الآن يحاولون تقديم الهدايا له لاسترضائه، بدءاً برئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو مروراً بايران التي بدأت التحدث عن ضرورة التحاور مع “الشيطان الأكبر” وانتهاء بروسيا التي تعوّل على دور أميركي يمكن أن ينهي حربها الاستنزافية قي أوكرانيا، ويبعد شبح حرب عالمية في حال قرر الغرب نصرة كييف رداً على تورط كوريا الشمالية في القتال.

والسؤال هنا لماذا لم يعد ممكناً القيام بأي تحرك معارض فاعل؟ يعود الى التسريبات التي تخرج من كواليس واشنطن وتل أبيب وطهران والقائلة ان التسوية المقبلة أو المقترحة لا تختلف كثيراً عن تسوية العام ٢٠٠٦، الا في أمر واحد وهو احتفاظ اسرائيل بحرية الحركة المباشرة اذا لم يتمكن الجيش وقوات “اليونيفيل” من احتواء أو صد أي خطر يهدد أمنها، وهي تسريبات يتوقف مصيرها سلباً أو ايجاباً على موقف ايران التي أرسلت موفدها علي لاريجاني الى بيروت لهندسة اتفاق يضمن أمن اسرائيل من جهة ويضمن سلاح المقاومة الاسلامية خارج المنطقة العازلة من جهة ثانية.

والسؤال أيضاً، هل يمكن للولايات المتحدة والدول العربية السماح بالعودة الى ما قبل الثامن من أكتوبر؟ والجواب لا طبعاً لأن ذلك سيعني واحداً من أمرين: اما حرب أهلية حتمية، واما تكريس النفوذ الايراني في واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية على شواطئ البحر المتوسط.

ويقول مصدر ديبلوماسي في واشنطن: ان ما يعني اسرائيل في الموضوع اللبناني لا يعني أميركا في الضرورة، مشيراً الى أن تل أبيب لا تكترث بما يصيب المسيحيين والسنة والدروز ما دام أمنها مصاناً في الشمال، خلافاً للأميركيين الذين يراهنون على الأقليات الانفتاحية القادرة على منع الأصوليات من التمدد والتوسع، والقابلة للأنظمة الديموقراطية التي يعوّل عليها الغرب في مواجهة منظمات وأنظمة متطرفة على غرار “داعش” و”الإخوان المسلمين” و”حماس” و”طالبان” وسواهم.

لكن السؤال الأهم، هل لا يزال “حزب الله” اليوم كما كان في الأمس سيداً وحاكماً وحكماً ومرشداً ودياناً وجلاداً؟

الجواب طبعاً لا، فهو لن يكون كما كان في زمن الساحر الملهم حسن نصر الله، ولن يكون على بعض الحرية في صنع بعض القرارات بعدما وضع نفسه تماماً تحت سيطرة طهران، ولن يكون فاعلاً وآمناً ومتحكماً في مناطق مدمرة تماماً في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية ولا مصدر ثقة ومقبولاً في بيئة شيعية تأخذ عليه قراراً متهوراً أفقدهم كل شيء وحوّلهم من أسياد الى نازحين، ولن يكون بين اللبنانيين تلك القوة القادرة على حمايتهم بشراً وحجراً ولا تلك القوة التي يجب أن تبقى بديلاً من الجيش.

وأكثر من ذلك، لن يكون نعيم قاسم قادراً على شن حرب في الداخل بعيداً من معاقله المدمرة وترساناته المشتتة، وبين عائلاته وأولاده المنتشرين في مناطق يعتبرها غريبة ومعادية، ولن يكون أخيرا قادراً على خوض حرب داخلية من دون غطاء شعبي من أي مكون طائفأ الامر الذي يعني أن ما يصيبه في ظهره سيكون أكثر مما يصيبه في صدره.

في اختصار، لا يبدو العالم مستعداً للقتال من أجل معارضة مشتتة لا أفق لها ولا ارادة نضالية جدية، ولن يتمكن أحد أيضاً من فرض ارادته منفرداً في لبنان، فالمعارضة خسرت فرصها والممانعة خسرت هيبتها، ولم يتبقَ الا انتظار ما قد ينضج في مطبخ جو بايدن في آخر أيامه أو في مطبخ ترامب في أولها، أو في كواليس اسرائيل التي استعادت تفوقها الردعي وايران التي نجت من السقوط من دون ضربة كف أو من دون نقطة من دمائها. انه قدر المسيحيين الذين يربحون حرب الشارع ويخسرون حرب السلطة، وقدر المسلمين الذين يخوضون حرب الشارع ويمنحون السلطة لسواهم.

شارك المقال