المسلسل التركي “البراعم الحمراء” ضحية صراع العلمانية والصوفية

رحاب ضاهر

بدأ الأسبوع الماضي عرض المسلسل التركي “البراعم الحمراء”، ومنذ اللحظة الأولى لعرضه تعرض لحملة شرسة من الانتقادات والهجوم والمطالبة بايقافه بحيث اتهم بالاساءة الى القيم الدينية والاجتماعية. وتلقت هيئة الرقابة التركية أكثر من 30 ألف شكوى ضد المسلسل، ما اضطرها الى فرض غرامة مالية على المسلسل بنسبة 3% بحجة مخالفة القيم الوطنية والأخلاقية للمجتمع، اضافة الى غرامة مالية على قناة “فوكس” التركية التي تعرض العمل، ومنع عرضه لمدة أسبوعين. كما ألغي تصريح تصوير بعض مشاهد المسلسل في دار العجزة التابعى لوزارة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية، وألغت المديرية الأقليمية الأولى لمؤسسات إسطنبول التابعة لوزارة الثقافة والسياحة في تركيا تصاريح تصوير المسلسل في بعض الأماكن، منها مكانان كانت شركة الانتاج Gold Film قد أعادت تصميمهما منذ أشهر بميزانية كبيرة جداً.

 

وبسبب الشكوى والهجوم على المسلسل أيضاً، منعت شركة الانتاج من تصوير مشاهد اضافية في مدرسة “بيرام باشا” ومبنى مؤسسة خريجي وأعضاء كلية العلوم السياسية في جامعة إسطنبول (المؤسسة السياسية) ومؤسسة التعليم والثقافة للسيدات، التي استخدمت لتصوير بعض المشاهد من قبل. وهذه التصاريح ألغيت بعد تعليمات صدرت من شخصية نافذة، واضطرت الشركة المنتجة الى ايقاف التصوير للبحث عن مواقع تصوير أخرى، ليكون ذلك أول مسلسل تركي يتعرض لهذا الكم من التضييق وهذا النوع من الغرامات.

من الواضح أن المسلسل ضحية صراع العلمانية والتدين في تركيا، فهو يحكي عن طائفة دينية تدعى “الفانيون” وهي طائفة من وحي الخيال اذ لا طائفة بهذا الاسم في الواقع، ولكن من الواضح أنها رمز للصوفية المنتشرة في تركيا، اذ ان اسم الطائفة اشتق من معتقدات الصوفية وهي الفناء، وهذا ما سبّب حساسية لدى بعض التيارات الاسلامية، فالمسلسل ينتقد بصورة واضحة وصريحة استخدام الدين لمصالح شخصية ويعري حقيقة بعض رجال الدين، الذين حوّلوا الدين الى تجارة للسيطرة على عقول الناس، اضافة الى اظهاره الصراع بين العلمانية والتدين بأسلوب جريء يضاهي مسلسل “شراب التوت”، ولكن أكثر جرأة ووضوحاً، وهذا ما جعله يحقق نسبة مشاهدة عالية ليلة عرضه مساء الاثنين وليزيح مسلسل “صلاح الدين الايوبي” عن الصدارة لناحية نسبة المشاهدة.

وكان الاعلان عن الحلقة الثانية من المسلسل أثار مزيداً من الجدل حوله، بحيث يجبر رجل زوجته على جلده عقاباً له لأنه مارس الزنا، وهذا ما ساهم في ارتفاع نسبة مشاهدة الحلقة الثانية ليصبح ملك “الريت” ليلة الاثنين في تركيا.

تحظى الصوفية بانتشار واسع في تركيا، ويعتبر كثير من الأتراك أن التصوف هو الدرع الحصين الذي يحمي بلادهم ودينهم من العلمانية التي تعيش صراعاً دائماً مع الصوفية والتدين، ولا تخلو الدراما التركية من المشاهد الصوفية التي كثيراً ما تغضب العلمانيين الذين يعتبرون أن العلمانية مبدأً أساس في تركيا وضمان للحريات الفردية والتقدم. لذلك، فان وجود مشاهد صوفية يمكن أن يعكس إشكالية في ما يتعلق بفصل الدين عن الشؤون العامة.
ومنذ عدة سنوات بدأت الدراما التركية تخرج من عباءة الرومانسية وقصص الحب، وتطرح موضوعات اجتماعية أكثر عمقاً، وتدخل في صلب الخلاف بين التدين والعلمانية وتقدم أحياناً نظرة عدائية ضد المجتمعات المتدينة ما يثير حفيظية “الجمهور المتدين” الذي يرى أن هذه الاعمال تشوه قيم الدين والمجتمع.

شارك المقال