النقد الانطباعي في السينما (1)

فراس حمية
فراس حمية

نصادف كثيراً من الآراء المتعارضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من جمهور مشاهدي الأفلام السينمائية. تتسم هذه الآراء بكونها متعارضة لناحية تقييم الفيلم/المسلسل، فمنهم من يعتبر هذا العمل الفني أو ذاك بمثابة تحفة فنية، فيما يعتبره آخرون مملاً أو عملاً عادياً جداً. وبذلك تنطلق عملية التقييم والنقد من أحكام ذاتية (منها الذوق الفني الخاص) وعاطفية ومزاجية أحياناً، أو ما يمكن تلخيصه بكونه تقييماً انطباعياً.

مؤخراً، وتحديداً في السنوات القليلة الماضية، وبعد انتشار تجربة “نتفليكس” ومنصات العرض المختلفة التي دخلت إلى كل منزل، وبعد تطور وسائل التواصل الاجتماعي، ووصول الأفلام الى شرائح واسعة من الجماهير، أصبح بالإمكان للمشاهدين كافة ممارسة عملية النقد الفني عموماً والسينمائي خصوصاً. وهكذا لم تعد عملية النقد حكراً على أشخاص محددين ممن ارتضوا أن تكون هذه مهنتهم وشغلهم الشاغل، بل باتت عملية النقد تتأثر بكل من وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات العرض والاتاحة الواسعة للناس في التعبير عن آرائهم الفنية في السينما تحديداً. فماذا يعني حين يكتب أحدهم: “لائحتي لأجمل 10 أفلام في التاريخ”؟ هنا نتساءل عن المنطق في إبداء رأي كهذا، وعلينا معرفة ما هي الأفلام التي شاهدها حتى استطاع إطلاق حكمه هذا؟

فهل المقاربة النقدية الانطباعية للفيلم يمكن أن تكون موضوعية في النقد السينمائي؟ مثلاً، كأن يعتمد التقييم على الأحاسيس أو المزاج فقط. أم أن هناك معايير خاصة ومحددة يراها الناقد وتحدد مدى جمالية العمل أم رداءته؟ وهل تستفز هذه التقييم ات النقاد أم يعتبرونها أمراً عادياً لناحية تقييم العمل السينمائي؟ وكيف يتم تحديد مدى جمالية العمل السينمائي، بمعنى ما هي المعايير المتبعة، أو المعايير العلمية الموضوعية (إن وجدت، أو إن صح القول بموضوعية النقد وعلميته)، والتي يمكن عبرها تقييم العمل بعيداً عن الانطباعية الذاتية في النقد؟

يبقى أن نشير إلى أن النقد الانطباعي ليس عيباً. أوسكار وايلد قال: “الفن انفعال”. والانفعال بما يشمل من تفعيل للحواس والعاطفة والأحاسيس والمشاعر أمر مهم جداً، على الرغم من كون البعض يرى أن حلاوته الزائدة تحيد العنصر العقلي في عملية النقد وتقلص من إمكان الخروج بنقد قائم على معايير تحليلية لعناصر الفيلم، كل على حدة، كالاخراج والسينماتوغرافيا، الكادرات وحركة الكاميرا، الأداء التمثيلي، الشخصيات، القصة، الموسيقى، المونتاج، الألوان، الأزياء وغيرها من العناصر التي تنصهر في قالب واحد لينتج عنها عمل فني سينمائي ما.

ولا بد من الاشارة إلى وجود اتجاهات نقدية عديدة ومختلفة تختلف بحسب كل ناقد. على سبيل المثال هناك نقد انطباعي مبني على الذوق والعاطفة والمزاج ربما، والتأثر بعمق الموضوعات. وهناك نقد يهدف إلى معرفة “ما الذي يريد صنّاع العمل أن يقولوه” من وراء العمل السينمائي، وكيف وهل استطاعوا ونجحوا في فعل ذلك؟ وهناك نقد يبحث في السياقات التاريخية والاجتماعية والنفسية والسياسية للعمل الفني، وهناك نقد لا يفصل بين الفنان وعمله الفني ويربط قيمة الفن بقيمة صانع العمل الفني من ناحية “أخلاقية”. وهناك نقد يكتفي بالفيلم كما هو، أو ببعض عناصره، من دون النظر إلى السياقات الأخرى.

ومن الصعب اكتفاء ناقد باتجاه نقدي واحد، فأحياناً يستخدم الناقد في الحالات المختلفة أنواعاً مختلفة من النقد لتحليل الفيلم. وهناك من يضعون المتعة في المرتبة الأولى لنقد أي عمل سينمائي، فإذا حصلوا على المتعة من مشاهدة الفيلم، قالوا بأنه فيلم جيد، لكن المتعة في حد ذاتها ترتبط بالمزاجية والذوق والميل الخاص الذاتي. بينما يشير البعض إلى ضرورة وجود بعض المعايير التي تفحص قيمة العمل السينمائي وتسمح للناقد بتحديد جودة العمل السينمائي.

لكن في المقلب الآخر، لا تزال هناك أسماء من النقاد السينمائيين يصعب تخطيها حين الحديث عن النقد السينمائي وعن الكتابة السينمائية في الصحافة العربية. لا يزال هؤلاء يشكلون مراجع مهمة يمكن رجوع المشاهدين إليها لمعرفة أحوال السينما والبحث عن مراجعات أفلام معينة ومتابعة المهرجانات بعيونهم وأقلامهم وغير ذلك مما يدور في مجال صناعة الأفلام السينمائية.

ضمن هذه المناقشات السينمائية، طرحت أربعة أسئلة مماثلة على أربعة نقاد سينمائيين بهدف الحصول على إجابات حول الواقع الحالي للنقد في السينما، وتحديداً في محاولة لفهم آليات وديناميكية النقد الانطباعي الذي برز مع بروز منصات العرض السينمائي ووسائط السوشيال ميديا. ونشير إلى أن إجابات النقاد لم يطلها التعديل أو القص والقطع ونقلت كما هي منعاً للالتباس أو التحوير. وكذلك كي نسمح لكل ناقد بالتعبير عن وجهة نظره بأسلوبه وبالقدر الكافي من المساحة. وأخيراً كي نسمح للقارئ بمتابعة التسلسل المنهجي للأفكار لكل من النقاد السينمائيين الأربعة في حديثهم الخاص مع موقع “لبنان الكبير”.

محمد رضا، ناقد وباحث سينمائي
محمد رضا، ناقد وباحث سينمائي

محمد رضا: لا يمكن للمزاج ولا حتى للانطباعية تقييم أي عمل على نحو صحيح

هناك جماهير عديدة وليس جمهوراً واحداً بالطبع. هذا التعدد في الآراء يتبع أولاً الثقافة المختلفة للفرد ثم المجموعة. هناك من كره أفلام محمد خان –مثلاً – لأنها ليست كأفلام حسام الدين مصطفى، والعكس صحيح. لكن في كل حال، تتدخل مرجعية المشاهد الثقافية ومستواه الفكري وماهية نظرته للسينما والأفلام في تحديد ما يعجبه أو ما لا يرضيه. في الوقت ذاته، نجد انقسامات من داخل الفئة الواحدة، وهذه الانقسامات عادة ما تكون بسبب قلّة المعلومات التي على أي شخص (هاوٍ أو محترف) اعتمادها لكي ينتقل من رد فعل انطباعي ومزاجي إلى تقييم صحيح.

بالطبع لا يمكن للمزاج ولا حتى للانطباعية تقييم أي عمل على نحو صحيح. الانطباعية أقل درجة تقييم لأنها تتداخل والرأي والعاطفة والمزاج والموقف الذاتي، والذي قد يكون ضد عنصر واحد أو معه، فتفلت باقي العناصر من بصيرته. دائماً ما قلت النقد هو علم أولاً. علم بالعمل السينمائي (إخراج، إنتاج، تمثيل، موسيقى، تصوير الخ…) أما الرأي فهو نتاج العلم وهو حيّز ضئيل عندي.

والجمهور الذي يعبّر عن رأيه لا يستفزني. لكن نقاد السوشيال ميديا في غالبيتهم يجعلونني أحمد الله على أنني بدأت النقد تبعاً لأسلوب قديم قائم على رفض الذاتية والابتعاد عن بناء التقييم على وجهة نظر أو موقف من أي نوع. كتابات اليوم على السوشيال ميديا خلطت أوراقاً كثيرة، والعديد ممن يكتب لم يكترث لمشاهدة تاريخ السينما ولا يقرأ كتباً عنها. يشاهد الفيلم ويكتب فقط.

وأضيف: إذا كان على المخرج أن يعرف كل تفاصيل العمل لتحقيق فيلم ما، فإن على الناقد أن يساويه معرفة. النقد ليس طحالب على جدار الصناعة، بل هو الوسيط الذي يربط الفيلم المعروض بالمشاهدين محللاً وشارحاً ومستخدماً الفيلم لتفعيل ثقافة سينمائية إيجابية وبناءة.

*محمد رضا، بريطاني الجنسية، من مواليد بيروت عام 1952، ناقد وباحث سينمائي.

إقرأ أيضا:-

  1. النقد الانطباعي في السينما (2)
  2. النقد الانطباعي في السينما (3)
  3. النقد الانطباعي في السينما (4)
شارك المقال